كلما جئت الى النمسا كنت أشعر بعبق التاريخ ورائحته في كل مكان، لكن هذه المرة شعرت اني أشاهد فيينا على وجه الخصوص بمنظار اخر غير الذي كنت اشاهدها به من قبل، فبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر تغير كل شيء في العالم حتى نظرتنا للأشياء التي كنا نراها دائماً، فالمتاحف المتعددة والمباني العريقة والاوبرا والبرلمان ومبنى البلدية والبنايات الاخرى وعلى رأسها القصر الرئاسي ليست مجرد مبان تاريخية عريقة في مدينة هادئة جميلة ربطتها الأغنية الشهيرة «ليالي الأنس في فيينا» ولكنها شواهد باقية على واحدة من أعرق وأكبر الامبراطوريات التي ازدهرت في التاريخ الاوروبي والتي زالت ولم يبق منها شيء سوى تلك الشواهد التي نادرا ما يغوص الدارس في تاريخها وأيام أهلها، ولعل مقابلتي مع الزعيم النمساوي البارز الدكتور يورج هايدر زعيم حزب الحرية يوم الاربعاء الماضي لم تجعلني احاول دراسة وفهم الواقع السياسي في النمسا وانما جرتني تلك الشواهد الى أن اجلس اوقاتا طويلة لأقلب في تاريخ النمسا او بالأحرى الامبراطورية النمساوية التي ظلت قائمة ما يقرب من ألف عام وكان من أهم ما شدني هو تلك الحروب الطاحنة التي لم تتوقف مع جميع من حولها ومساعي ملوكها دائما للسيطرة والهيمنة على الدول المجاورة وضمها الى هيمنة الامبراطورية التي اهتم ملوكها بالثقافة والتاريخ والتحف والموسيقى فأقاموا لها مباني باهرة وأسسوا ثقافة جذابة، لكن أهم ما توقفت عنده وأنا أحاول قراءة وفهم هذه الأيام برؤية ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو تلك الأيام الاخيرة في عهد الامبراطورية والتي احاول تبسيطها لاسيما تلك الأعوام التي سبقت انهيار الامبراطورية وتفككها وربطها بالواقع الذي نعيشه الان. فبعد سلسلة طويلة من الحروب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ربما أتناول جانبا منها في مقال آخر بدأت النمسا تشهد نهاية القرن التاسع عشر ازدهاراً اقتصاديا وتطوراً في ظل هدوء نسبي عاشته اوروبا انذاك حتى أصبحت فيينا اهم مدن اوروبا بما بناه القياصرة فيها من معالم بارزة، وبدأت الاتجاهات الفنية والثقافية وما يصاحبها من زهو وتطور وحداثة تتطور شيئاً فشيئاً مع التطور الصناعي الذي بدأ يعم اوروبا انذاك، وانتشرت العلوم والمعارف وأدوات التعبير ممثلة اساسا بوسائل الاعلام الجماهيرية التي كانت تتمثل في الصحف انذاك، وقد أدى هذا الى تطور مجتمعي ونمو سياسي في المجتمع النمساوي في ظل احتفاظ الامبراطورية بنظامها الاستبدادي كما كان لتنامي وسائل المواصلات والمتمثلة بالسكك الحديدية في المقام الأول دورها في سرعة انتقال التجارب بين الشعوب الاوروبية لاسيما تجارب الثورة والانتفاضات الشعبية وروح العصيان والاتجاهات الجديدة المعادية للاستبداد، كذلك بدأ المد القومي في اوروبا يتنامى وأصبح من الصعب على الامبراطورية النمساوية متعددة القوميات والأعراق ان تهيمن على تلك الشعوب، كما ان الامبراطورية التي كانت تضم تحت هيمنتها ربما عشرة أضعاف سكان النمسا الان الذين لا يزيدون على ثمانية ملايين كانت تسيطر على معظم الثروات ومعظم النجاحات الاقتصادية التي كانت تصب في العاصمة فيينا مما جعل الشعوب المنضوية تحت لواء الامبراطورية تشعر بالغبن والاجحاف وتسعى لانتهاز الفرصة للافلات من تلك الهيمنة وفي 28 يونيو عام 1914 ارتكبت النمسا غلطتها القاتلة التي أدت الى انفراط عقد الامبراطورية، فقد قتل ولي عهد النمسا الامير فرانتس فرديناند في سراييفو، فدفعت عنجهية النمسا وزهوها الى الدخول في مغامرة خطيرة أدت الى اشعال الحرب العالمية الاولى فلم تكن تلك الرصاصة التي قتلت ولي عهد النمسا بداية للحرب العالمية الاولى فحسب، وانما كانت كذلك نهاية للامبراطورية النمساوية التي انحسرت على رقعة صغيرة عام 1918م فبقيت مباني الامبراطورية وشوارعها ولكن ذهبت سطوتها وهيمنتها، وكما تغير العالم بعد مقتل ولي عهد النمسا يتغير الان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتسعى الامبراطورية الامريكية لتفرض على العالم ما سعت امبراطورية النمسا لفرضه في ظل ظروف شبه متطابقة فانتشار العلوم والمعارف آنذاك يوازيه ثورة معلوماتية واتصالية كبرى الان، والازدهار السياسي العالمي لاسيما في دول العالم الثالث يواكبه استبداد امريكي بدأت معالمه تتبلور يوما بعد يوم مع التخلي عن الشعارات الشكلية للحضارة الغربية، وتنامى وسائل المواصلات آنذاك يوازيه الان ثورة هائلة في السياحة والسفر والهجرة والترحال تدفع الناس الى اكتشاف ما لم يكونوا يعرفونه ونقله الى دولهم، وتنامي المد القومي في أوروبا انذاك يوازيه اليوم شكوى دول العالم الثالث من الهيمنة السياسية والاقتصادية الامريكية والغربية عموما ومخاطر العولمة على ثقافتها وهويتها، وتركيز النجاحات على فيينا يوازيه اليوم تركيز النجاحات على واشنطن واستقطاب العلماء والأموال من كل انحاء العالم حتى ان 20% من البشر يسيطرون على 80% من ثروات العالم وتهيمن الاقلية الغربية على ثروات الاكثرية.. ان البشرية لن تقبل هذه السياسة والتاريخ القريب خير شاهد وان شواهده تؤكد ان هذه الأيام حتى وان طال عددها حينا.. هي الايام الأخيرة.. الأيام الأخيرة للامبراطورية....! ـ كاتب واعلامي مصري