ماذا لدى الرئيس بوش ليقوله للعالم بشأن الديمقراطية وحقوق الانسان بعد ان انفضح امر مشاركة الادارة الامريكية في تدبير وتنفيذ الانقلاب الفاشل، في فنزويلا ضد الرئيس هوجو شافيز؟وعندما تطالع تحقيقات الصحافة البريطانية عن تفاصيل قصة هذا التورط الاجرامي الامريكي فانك لن تستخلص ـ بعد ان تصاب بالاشمئزاز والغثيان ـ الا قناعة موثقة بان الولايات المتحدة لاتزال مرتبطة بتاريخها الطويل في مغامرات العمل الانقلابي في امريكا اللاتينية والعالم الثالث عموما. فالوقائع التي سردتها الصحافة اللندنية مفصلة الى درجة تسمية الشخصيات الامريكية المتورطة باسمائها وكلها دون استثناء شخصيات متخصصة مهنيا وتاريخيا في فن «الاعمال القذرة» وكلها تعمل في مناصب مسئولة لحساب الادارة الامريكية. من بين هذه الشخصيات اليوت ابرامز الذي تقول الصحف البريطانية انه «اعطى ايماءة موافقة» للمحاولة الانقلابية في فنزويلا، وتضيف الصحف ان هذا الرجل سبق ان ادين بتهمة «تضليل الكونجرس» في شأن قضية «ايران ـ كونترا» في ثمانينيات القرن الماضي. هناك ايضا اوتو رايتش الذي عينه الرئيس بوش الابن مستشارا له في شئون امريكا اللاتينية وهو ايضا ذو تاريخ. فقد كان في عهد الرئيس رونالد ريجان في الثمانينيات يشرف على عملية سرية لإمداد «فرق القتل» في نيكاراجوا بالاسلحة لممارسة نشاطها الدموي ضد نظام منتخب ديمقراطيا. ورايتش ليس غريبا على المشهد الفنزويلي فبعد مهمته الدموية في نيكاراجوا عين سفيرا لدى فنزويلا في عام 1986 وبهذه الخلفية كان يستقبل سرا في مكتبه في البيت الابيض الشخصيات المتورطة في الانقلاب الفاشل الاخير في فنزويلا قبل عدة شهور من وقوعه، حيث وضعت تفاصيل الخطة الانقلابية وتوقيت التحرك.وعندما وقع الانقلاب بالفعل (ولم يعمر اكثر من 48 ساعة) سقط القناع الامريكي. ففي اليوم الاول للانقلاب استدعى رايتش سفراء دول امريكا اللاتينية لدى الولايات المتحدة الى مكتبه وبعد ان ابلغهم ان واشنطن تؤيد الحكومة الانقلابية الجديدة فإنها ترى ان الاطاحة بالرئيس شافيز (المنتخب ديمقراطيا) لا تعتبر اجهاضا للديمقراطية لان شافيز «استقال» علما بان «استقالة» شافيز كانت قصة اختلقها الانقلابيون لتبرير فعلتهم. هناك شخصية ثالثة من مستشاري الرئيس بوش لشئون امريكا اللاتينية.. وهو جون نكروبونتي الذي يتولى ايضا منصب سفير الولايات المتحدة الى الامم المتحدة. خلال ثمانينيات القرن الماضي كان نكروبونتي سفيرا لدى هندوراس في عهد الرئيس ريجان وكانت المهمة الاساسية المكلف بها لا صلة لها بالعمل الدبلوماسي فقد كان المشرف على «فرق الاعدام» الهندوراسية. وهي فرق كان يقوم على تدريبها خبراء من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية بالتعاون مع نظام هندوراس آنذاك لتعقب المعارضين السياسيين ـ خاصة العناصر اليسارية ـ وتصفيتهم جسديا. حقا لقد كان عقدا السبعينيات والثمانينيات بصفة خاصة اقذر مرحلة في تاريخ السياسة الخارجية الامريكية عقب الحرب العالمية الثانية ومع انتهاء حقبة «الحرب الباردة» بانهيار المعسكر السوفييتي، كان الظن ان مرحلة العمل الامريكي القذر بلغت نهايتها ايضا. لكن يبدو الآن ان الولايات المتحدة تحت ادارة جورج بوش الراهنة تستعيد اساليب الماضي القبيحة.لقد كان من بين «انجازات» نهج الحرب الامريكية القذرة انقلاب تشيلي في عام 1973 الذي جاء بالدكتاتور اوجستو بينوشيه بعد الاطاحة بالرئيس سلفادور أليندي وقتله.. ومن ثم مضت وكالة الاستخبارات الامريكية في تدبير الانقلابات وانشطة «فرق الاعدام» التالية في كل من الأرجنتين والسلفادور وهندوراس وجواتيمالا وغيرها. ان الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، كوصيفه التشيلي السابق سلفادور أليندي، رئيس منتخب في اطار تعددية ديمقراطية ليبرالية، وكون انه مثل أليدني ايضا ينهج نهجا اشتراكيا في الداخل واستقلاليا في الخارج على طريق كاستروا لا يعطي اي شرعية لاي قوة خارجية للاطاحة بنظامه خاصة عندما تكون هذه القوة دولة عظمى تدعي انها الحارس الدولي للمباديء الديمقراطية وحقوق الانسان.