ما جرنا الى ان يصبح امر الحوار بيننا وبين الاخر هو الاهم اليوم، هو نفسه هذا الذي يقلب موازين العلاقات، ويغلب الظالم على المظلوم ويضرب بكل قانون طبيعي يربط الشعوب، وتبادلاتها الحضارية الطبيعية، هو نفسه الذي يقسم العالم الى بؤر ساخنة ضد بعضها البعض، وهو نفسه الذي يشوه كل علاقة ارتباط عند الحياد الطبيعي. ما الذي يجعل قوة عظمى لا تقف عند حدود، وما الذي يجعل قوة عظمى تترجم عظمتها في قهر الشعوب الاخرى؟ اسئلة طبيعية، وليست طبيعية في الوقت الراهن، في العصر الراهن، في ظل المعطيات والانجازات البشرية الراهنة؟ كل هذه الاسئلة تقود الى شيء واحد هو الطمع والغطرسة والاستعمار بأشكاله، والاذلال بألوانه، مع عدم الثقة في الذات. حينما كان الخوارزمي يصدر منجزاته الفكرية الى البشرية لم يكن الغرب يكره الخوارزمي، ولم نكن نحن نكره الغرب، بل لم تكن جهات الدنيا الاربع تكره بعضها البعض الا في مسألة السلطان، لكن الشعوب، هي الشعوب تتعاطى مع منجزاتها بأمر تبادلي غاية في الطبيعية والسلاسة. وحينما كان ابن سينا ينهل من نظريات اليونانيين، وبدأ العرب في ترجمة مبتدعاتهم لم يكن هناك من يقول ان الحوار بين الحضارات، او صراعها يتطلب كل هذا الكم من الصواريخ العابرة للقارات.. لكن ما عادت جهات الدنيا الاربع كما كانت، وما عاد ذلك المناخ الطبيعي رغم ان ما انجزه العقل التكنولوجي سهل العملية وبسطها ابسط من المعقول، لكنها الاطماع، والاحوال التي غلبت فئة مريضة على فئة لا حول لها ولا قوة. يأتي حوار الحضارات، وتأتي معه كل التنظيرات اليوم لتركز كل ثقلها ليس على حوار جهات الدنيا الاربع، ولكن على اين تكمن مصلحة «غيلان» التجارة والصناعة. لا احد يريد لشاعر في الارجواي ان يصل شعره الى قرية صغيرة في جنوب الهند، ولا العكس، ولا احد يريد لفكرة تلتمع في كوخ مواطن في شرق اسيا بآخر في اقصى الغرب بكل هدوء وبكل بساطة، هناك مصلحة الكبار «الطماعين»، هناك منطق الوحوش الذي يريد لمسارات الفكر ان تذهب اينما تذهب بحريتها. الان تطرح بقوة مشكلة الحضارات، ومتى؟ في هذا القرن! قرن العالم الواحد، لماذا؟ هذا السؤال لا يمكن ان يعترف باجابته اولئك الجبابرة الذين اطلقوا فكرة الصراع، لانها اجابة تكشفهم، اجابة تكشف عنصريتهم، وتكشف انانيتهم ونظرتهم الدونية لبقية شعوب العالم. عالم يسوده جبابرة، قساة القلوب، يعملون لنهش الانسانية لا صلاحها، عالم في سراديبه العلنية والسرية آلاف من الرؤوس النووية المدمرة.. والمدمرة بالفعل.. فهل هذا عالم آمن، قابل لحوار هاديء..؟ هناك من يضع اصبعه على الزناد دائما، وهناك جمجمة مظلوم تظهر من خلال منظار البندقية.. فهل هذا هو الحوار الذي يريدون؟!