أمة العرب لا تستطيع ممارسة سلوك «اعقلها وتوكّل» لأنها معتقلة من الداخل وكل ضغوطات الخارج القوية والمحرجة لا تحرك فيها ساكناً في أوضاعها المأساوية. فلسطين اليوم تخوض حرباً غير طبيعية، لأن القتل فيها معلن والكتمان حوله هو الجاري بكل برودة أعصاب ولا ندرك ذلك حتى نرى صور البشاعة وقد ملأت صحفنا وبقية أجهزة الإعلام لدينا وهي تنقل مباراة القتل كما تنقل أية مباراة، ولو من الدرجة الثانية لكرة القدم وعلى الهواء مباشرة والدفع مضمون من قبل. تأخذ الشعوب العربية إذناً مباشراً أو مبطناً وعلى استحياء بالتظاهر السلمي ـ مع وضع عشرات الخطوط تحت كلمة السلمي ـ فتمضي في مشوارها القومي أو الوطني... الخ، فتعود بغنيمة قدرها الآلاف بين أيدي رجال الأمن يفعلون بهم الأفاعيل وقد خرجوا لذلك وفق القواعد والأعراف الديمقراطية التي تحكم وتعتقل أمة العرب وتمسكها من خناقها. إذا كان الوقوف صمتاً جريمة في بعض الدول، فما هو المطلوب للخروج من حالة الصمت السلبي الى الكلام بالإيجاب؟ إننا أمام حالة من التوهان، فالكل يعاني من تيه المصير، فالعقل ما عاد يحكم المسيرة، وكذلك السياسة الحالية لا نعرف لها اتجاهاً أو بوصلة واضحة تنقذنا من هول الأمواج العالية وسط المحيط المتلاطم، فلا نملك ما ننادي به على قوات خفر السواحل لأنهم يريدون لنا ان ننتهي داخلياً قبل ان نتجاوز حدود الخارج الذي يشتعل في كل الاتجاهات. ولوسائل الإعلام العربية دور في تأجيج المشاعر القومية تجاه القضية الفلسطينية وتلمح ذلك في عشرات الصفحات المسطرة يومياً على شكل برامج في الهواء وملاحق على الأرض. إننا في حيرة عن التعبير بالاستياء عما يدور في مقدساتنا، فمن خرج هاتفاً ضد اسرائيل ومستنكراً لأفعالها التي فاقت في اللاأخلاقية كل الخطوط المعروفة لدى البشر، يتعرض للأذى بطريقة أو بأخرى ويتحول احتجاجه المشروع جريمة قد لا تغتفر في الداخل العربي. كيف يتحكم الانسان العربي في ضوء هذه الأوضاع المقلقة في مشاعره الصادقة تجاه اخوانه في فلسطين وهي الغصن الرطيب الباقي بعد ان فقدنا غصن أندلس الرطيب الأول. إننا أمة نسيت تاريخها المشرق وماضيها المضيء وكل من يفكر ولو في سره الحنين الى ذلك المجد العريق، يغالط نفسه ويعود الى عقله ألف مرة يبحث فيه عن حكمة مناسبة لهذا الزمن العربي الذي ضاعت فيه عقارب الساعة التي تم اكتشافها يوماً ما في ديارهم العامرة بأحدث أنواع التكنولوجيا. الحرب الاسرائيلية في فلسطين تعلمنا دروساً في المزيد من الصمت العربي، والقليل من قول الحقيقة المُرّة، فمن يعيش بين جدران الصمت ماذا يفعل وكيف يتصرف إذا خرج من هذا المعتقل الكبير؟!