عبر الهاتف جاءني صوته هادراً مزمجراً على غرار ما نسمع هذه الأيام على شاشات التلفزيون من اولئك الذين يحاولون التنفيس عما تضيق به نفوسهم بهذا السيل من القذائف، والحمم يلقون بها ذات اليمين وذات الشمال على شكل اتهامات فتطيش سهامهم ولا تصيب شيئاً من الشعور الذي تبلد ولم تعد تؤثر فيه قنابل هيروشيما ولا قذائف تورابورا. قلت له بعد أن صب جام غضبه على الجميع ولم يستثن أحداً: ها أنت قد أفرغت شحنة الغضب المحبوسة داخلك.. ثم ماذا بعد؟ مرت لحظة صمت ربما كان يلتقط أنفاسه أثناءها، أو أنه كان يحضر لموجة أخرى من القصف، أو لعله كان يفكر في الاجابة عن سؤالي. قال وقد انخفضت الى حد ما وتيرة هياجه: كأني بك لا تتفق معي في الرأي وأن لك رأياً آخر لا يختلف عن رأي اولئك المتخاذلين الذين يطلقون أصواتاً شاذة نشازاً في هذا الزمن الرديء؟ شعرت بأنه على وشك تجاوز حدود الحوار المتعارف عليها متأثرا بهياج مذيعي هذه الأيام وتأتأتهم على الهواء لمجرد إشعارنا بأنهم أكثر وطنية منّا مزايدين على بعض الذين يستضيفونهم ممن أصبحوا وجوهاً مقررة علينا لا نكاد ندير محول القنوات عنهم حتى يظهروا لنا ألسنتهم من محطة أخرى كأني بهم قد عسكروا في استوديوهات التلفزيون. قلت له محاولاً الاحتفاظ بهدوئي الذي لم أتخل عنه طوال الحوار: يبدو أننا لن نخرج عن الدائرة نفسها التي يتردى فيها الحوار العربي وهو يلقي بالخيانة والعمالة على هذا وذاك حتى لم نعد نعرف من هو الوطني ومن هو الخائن المتخاذل، مع أننا لو دخلنا دائرة الفعل لوجدنا أنفسنا جميعاً خونة ومتخاذلين بالمنطق الذي يتحدث به البعض عبر الاقمار الصناعية غير مستثنين أحداً من القاع الى القمة ليعودوا بعد ذلك الى بيوتهم في العواصم والمدن الاوروبية راكبين السيارات الغربية لابسين ملابس الغرب مستخدمين ما انتجته المصانع الغربية وهم يدعوننا الى مقاطعة انتاج الغرب وقطع النفط عنه. قال وقد هدأ تماماً: وما هي لغة الخطاب المطلوبة إذن في رأيك إذا كان كل هذا هراءً غير صحيح؟ قلت له متجاوزاً نبرة التهكم الواضحة في سؤاله: دعنا نقفز على لغة الخطاب ونتجه الى منهج التفكير، فهو الأولى بالعناية لأنه القاعدة التي يقوم عليها الخطاب. قال وقد بدأ يميل الى الخطاب المنطقي بأدبياته المعروفة: وما هو منهج التفكير هذا الذي هو أولى بالعناية في رأيك؟ قلت: سأعود الى لغة الخطاب التي تصب جام غضبها على السلوك الفردي أكثر مما تتوجه الى نسق التفكير نفسه والاتجاه العام الذي يحول هذه الافكار إلى أفعال. وكي لا يكون حديثي مبهماً أو داخلاً في العموميات خذ مثلاً القضية التي أشعلت ثورتك وألهبت حماسك، وهي أحداث فلسطين الأخيرة، فنحن نتعامل معها على أنها من فعل فرد نطلق عليه من النعوت ما شئنا هو شارون، غير آخذين في الاعتبار أن هذا الفرد لا يمثل نفسه، فهو لم يأت إلى كرسي الحكم على ظهر دبابة كما يحدث في الانظمة الثورية التي هي آخذة في التحول الى أنظمة وراثية، وإنما جاء عن طريق انتخابات حرة ديمقراطية في دولة تنتهج هذا النهج في الحكم شئنا ذلك أم أبينا، ولذلك فهو يمثل أغلبية مهما كانت نسبتها اختارته كي يدير شئونها، ثم هو بعد ذلك يرأس حكومة ائتلاف وطني الجميع ممثل فيه. ومعنى ذلك أن التوجه الذي يقوده شارون هو اختيار الشعب الاسرائيلي وتوجهه، بدليل أن الاستطلاعات قد أظهرت خلال عملية الاجتياح ارتفاع شعبيته. ومن خلال هذه الصورة الواضحة علينا ألا ندفن رؤوسنا في الرمال ونخدع انفسنا متطلعين إلى قيادة اسرائيلية أخرى بديلة تحقق لنا السلام الذي نتمسك به كخيار استراتيجي كما نردد دائما. وخير شاهد على ذلك أنه حتى اولئك الذين تصورنا في وقت من الاوقات وأقنعنا أنفسنا أنهم دعاة سلام وسميناهم شركاءنا قُتِلوا على يد أنصار هذا الاتجاه المتطرف الذي فرض نفسه في النهاية. ومن خلال تتبع الحكومات المتعاقبة التي سبقت حكومة شارون، وكنا قد تصورناها الأكثر تشدداً، يتضح لنا أن كلاً منها قد سقط نتيجة اتهامه بالتساهل مع أنه كان أكثر تشدداً من الذي سبقه، لتأتي بعده حكومة تسقط بالتهمة ذاتها، فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني ببساطة أن هذا الاتجاه هو اختيار الشعب الاسرائيلي. أما وجود بعض الاصوات التي يبدو لنا أنها معتدلة فهو ظاهرة طبيعية موجودة لدى كل الشعوب كظاهرة الميالين للتطبيع عندنا، وهي ظاهرة يجب ألا ننخدع بها ونندفع إلى أوهام السلام القادم مع تغيير الحكومة إذا حدث ذلك، فالسلام كان بعيداً قبل مجيء شارون، وأصبح بعد مجيئه أبعد، ويكاد يكون مستحيلاً الآن مع كل هذه المجازر التي ارتكبت والحقد الذي خلفته في النفوس. الصورة التي كان يحجب بعض معالمها الضباب سابقاً أصبحت واضحة الآن. والرؤية لم تعد تحتاج إلى كثير من الفهم والفلسفة والفذلكة. وعلينا أن نعيد ترتيب أمورنا انطلاقاً من هذه الحقيقة التي غدت واقعاً ملموساً وليست نظرية ميتافيزيقية. على الذين كانوا يراهنون على أن ما حدث كان من أفعال العسكر المتعطشين للدماء ان يسمعوا آراء المدنيين الذين يفترض أنهم مستنيرون من الاسرائيليين إن كان ثمة مدنيون في المجتمع الاسرائيلي. ها هو واحد منهم يحمل درجة الدكتوراه في الاعلام الدولي ويعمل محاضراً في جامعة بار ـ إيلان. لنستمع الى «شاؤول تصادقا» يقول في مقال له بعنوان (لا مذبحة ولا ما يحزنون): لماذا تتحدث اسرائيل الرسمية بلهجة المعتذر عن الاحداث الاخيرة في مخيم جنين للاجئين؟ ولماذا لا تهاجم بشدة الفلسطينيين ونفاق وسائل الاعلام الاجنبية؟ ولماذا يستعد مخيم جنين للانضمام الى قائمة مذابح النكبة التي تضم دير ياسين وقبية وقانا؟ اليكم الحقائق المجردة التي يجب عرضها دون تلكؤ وتحت شعار «لا مذبحة ولا ما يحزنون». ويمضي الاكاديمي الاسرائيلي سارداً ما يدعي أنها حقائق ويضعها مبررات لنفي تهمة المذبحة عما حدث في جنين ملقياً اللوم كله على الارهابيين الفلسطينيين ـ حسب تعبيره ـ الذين حولوا المخيم الى أكبر مصدر للانتحاريين في الضفة الغربية، متهماً سكان المخيم من المقاتلين بتجاهل مطالب جيش الدفاع الاسرائيلي (!!!) بإخلاء المدنيين منه قبل الاستيلاء عليه، وبأنهم استخدموا نساءهم وأولادهم كدروع بشرية سعياً لاستغلال ذلك ـ كما يحدث الآن ـ وسيلة لاتهام اسرائيل بارتكاب مذبحة. ثم يمضي قائلاً ان المخيم اراد ان يدخل التاريخ الفلسطيني من باب تراث القتال، وكان مستعداً في سبيل ذلك للتضحية بحياة السكان! وفي صفاقة لا مثيل لها يقول «شاؤول تصادقا»: إن الجنود الاسرائيليين في جنين قد خاطروا بحياتهم من أجل الامتناع عن المسّ بالمدنيين!!! وبعد أن يلقي الكاتب باللائمة على الحكومة الاسرائيلية في موضوع مقتل 23 جندياً اسرائيليا في جنين مقابل مناورة في العلاقات العامة على الساحة الدولية يمضي قائلاً: «كان يجب قصف مخيم جنين جواً كما فعل الامريكيون في تورا بورا في افغانستان، وليذهب الرأي العام في كوبنهاجن الى الجحيم. أين كانت مروحيات الأباتشي عندما كانت الحاجة إليها حقيقية؟» هكذا ينهي الاستاذ الجامعي مقاله معبراً عن رأي واحد من المدنيين الذين يفترض انهم يمثلون النخبة في المجتمع الاسرائيلي هذه المرة. أفلا يحق لنا بعد ذلك أن نقول إن «شاؤول أخو شارون»؟ انتظرت أن استمع الى تعليق محدثي على الجانب الآخر من الهاتف، ولكن الصمت كان بانتظاري.. فتوقفت أنا أيضاً عن الحديث... غير أن الصراخ مازال مستمراً على الفضائيات ورائحة الجثث والعفن الاعلامي واستغلال المأساة مازالت تزكم الأنوف، وتسد النفوس، وتذهب بما تبقى من العقول إن كان لايزال ثمة عقول