بينما يفكر العالم في احتمال محاكمة اسرائيل ينهمك الرئيس عرفات في محاكمة رفاقه في النضال، ومع ذلك لم يربح عرفات شيئا، فقادة المقاومة الفلسطينية وارييل شارون، كل لاسبابه المختلفة، رفضوا هذه البادرة. لقد عقد عرفات محكمة عسكرية في مقره المحاصر في رام الله حكمت بالسجن لمدد متفاوتة على اربعة مناضلين فلسطينيين بتهمة قتل وزير السياحة الاسرائيلي رحبعام زئيفي قبل بضعة شهور. وبهذا يبدو ان الرئيس الفلسطيني يستجيب لمطالبتين: اسرائيلية وامريكية.لفك الحصار عن عرفات اشترط عليه شارون تسليم قتلة الوزير الاسرائيلي الى السلطات الاسرائيلية، ومن اجل حمل شارون على سحب قواته من اراضي الضفة نهائيا يشترط جورج بوش على عرفات ان يتبع القول بالعمل في نبذه المعلن للعنف الفلسطيني وشجبه اللفظي للعمليات الاستشهادية داخل العمق الاسرائيلي. لكن ما ان اعلنت احكام المحكمة العسكرية الفلسطينية حتى صاح المسئولون الاسرائيليون في تل أبيب والمسئولون الامريكيون في واشنطن: هذا لا يكفي وفي الوقت نفسه صاح قادة فصائل المقاومة الفلسطينية، يا للعار! وهكذا وقع عرفات بين كرسيين كما يقول مثل فرنسي .. الكرسي الاسرائيلي ـ الامريكي .. والكرسي الشعبي الفلسطيني. من حق الرئيس الفلسطيني، بل من واجبه، ان يسعى ويكافح من اجل التخلص من الحصار المفروض عليه اسرائيليا، لكنه مطالب في الوقت نفسه ان يحسب سعيه وكفاحه، ليس بمعيار الخلاص الذاتي، وانما وفقا للمباديء السياسية والاخلاقية للقيادة الوطنية. على صعيد المباديء السياسية لاينبغي بحكم الظروف الراهنة الدقيقة لزعيم شعبي فلسطيني السعي لاسترضاء اسرائيل والولايات المتحدة فالاولى لم تعد تعترف اصلا بسلطته الوطنية ولا به شخصيا رئيسا لها .. بل وترجمت هذه الرؤية عمليا الى حملات تدمير لقوائم السلطة واجهزتها وبذلك اعادت احتلال الضفة الغربية، اما الثانية فان رئيسها لايكف عن التشكيك في ياسر عرفات كرئيس جدير بقيادة شعبه.ولا يكاد يمر يوم واحد دون ان تقدح تل ابيب او واشنطن في شخص عرفات بعبارات توحي وكأنه زعيم عصابة مافياويه.وعندما يحاكم عرفات رفاق نضال بتهمة تدبير عملية لاغتيال احد الرموز الاسرائيليين الكبار فانه كمن يحاكم نفسه وشعبه في آن معا لأن مسلكه في هذه الحالة يتطابق مع الرؤية الاسرائيلية ـ الامريكية المشتركة بأن النضال الوطني الفلسطيني ليس سوى ضرب من الارهاب، وبذا يفقد الرئيس الفلسطيني تلقائيا حقه في الاحتجاج اذا قدمت السلطات الاسرائيلية مروان البرغوثي ـ احد كبار قياديي الكفاح الفلسطيني ـ الى محاكمة بتهمة «الارهاب».لقد لخصت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» مغزى المحاكمة الفلسطينية في نقطتين: اولا: ان خطورة المحاكمة هي «انها تشكل محاكمة لشرعية النضال الفلسطيني وشرعية وحق المقاومة ضد الاحتلال». ثانيا: انه كان على السلطة الفلسطينية ان تطالب اسرائيل اولا بمحاكمة قتلة ابو علي مصطفى الامين العام للجبهة الشعبية الذي اغتالته القوات الاسرائيلية نهارا جهارا داخل مكتبه . وان تطالب ايضا بمحاكمة شارون والجنرال شاؤول موفاز رئيس الاركان الاسرائيلي اللذين يقترفان يوميا المجازر ويهدمان البيوت فوق اصحابها. رغم ذلك لم ينل عرفات رضا اي من اسرائيل او الولايات المتحدة. فقد سفه شارون المحاكمة الفلسطينية معيدا مطالبته السلطة الفلسطينية بتسليم اسرائيل «الفلسطينيين المتورطين في مقتل زئيفي» وقالت واشنطن ان المحاكمة اذ تبدو امرا ايجابيا الا انها «لا تحل المسألة المتعلقة بمحاصرة اسرائيل لمقر عرفات» .. أي ان تسليم القتلة للسلطات الاسرائيلية هو الذي «يحل المسألة». وبعد فانها خطوة خطيرة من الناحية السياسية وفقيرة من المنظور الاخلاقي: فرفاق النضال لا يحاكمون على يد رفاق آخرين لأنهم ينهضون بالواجب النضالي على افضل وجه.