إذا كان شارون قد أعلن نهاية المرحلة الأولى من المذبحة التي يقوم بها على أرض فلسطين تحت شعار (الجدار الواقي).. ربما لينتقل بعد ذلك الى غزة أو يتمم القضاء على السلطة الفلسطينية، فإن الإدارة الأمريكية سبقت الى الانتقال لهذه المرحلة باعتبار، أن هذه الحرب هي حربها في الأصل التي مازال عليها أن تستكملها لتعيد ترتيب الاوضاع من المحيط الى الخليج وليس على أرض فلسطين فقط. وخلال أيام كانت الولايات المتحدة تستقبل ولي عهد السعودية وملكي الأردن والمغرب. والدول الثلاث هي المدعوة ـ بجانب مصر ـ إلى المؤتمر الذي اقترحه شارون والذي رفضته مصر ـ حتى الآن ـ باعتباره محاولة للقفز على الواقع واخفاء الجريمة التي ارتكبتها اسرائيل والتخلص من الالتزامات والقرارات الدولية، ومحاولة لافراغ المبادرة السعودية (التي أصبحت عربية) من معناها بالتركيز على هدف التطبيع واهمال قضية الانسحاب الاسرائيلي الى حدود 67، بل وارغام العرب والفلسطينيين على التفاوض تحت تهديد السلاح، حيث تتم المفاوضات المطلوبة وجيش الاحتلال يعيث فسادا في الاراضي الفلسطينية، ويواصل مذبحته النازية ضد الشعب الفلسطيني، وتتم المفاوضات باستبعاد سوريا ولبنان تمهيدا ـ ربما ـ لضربة قادمة، وباستبعاد عرفات الا اذا وافق على شروط الاذلال الأمريكية. المبادرة السعودية التي اصبحت عربية قضى عليها التحالف الأمريكي الاسرائيلي بعد 12 ساعة من اقرارها في قمة بيروت حين بدأت المذبحة على أرض فلسطين، وقد صدق خطيب المسجد الحرام في الأسبوع الماضي حين صرخ من على المنبر (على مبادرات السلام.. السلام) ومع ذلك فالمتآمر الأمريكي مستمر، ومحاولة تركيع العرب مستمرة، ومحاولة فرض منطق القوة الأمريكية ـ الاسرائيلية وانتهاز لحظة الضعف العربية التي بلغت مداها في هذه الأزمة.. هو أساس تحرك الادارة الأمريكية لاستكمال مخططاتها في المنطقة والاعداد للخطوة التالية في حربها ضد العرب. في الطريق الى لقاءات واشنطن كان كل فريق يرتب اوراقه: ـ على الجانب العربي.. حرص العاهل المغربي على ازالة أي لبس حول سؤاله لوزير الخارجية الامريكي كولن باول عند بدء جولته السياحية في المنطقة: لماذا لم يبدأ الجولة من اسرائيل؟ في اشارة لاعطاء شارون المهلة ليتمم عملياته. ويبدو ان العاهل المغربي قد أدرك أن المسألة أكبر من أيام يتسكع فيها وزير الخارجية الأمريكي بينما المذابح مستمرة للشعب الفلسطيني، فالوزير ذهب وعاد بعد ذلك ليقول (إن الحديث عن وقف اطلاق النار ليس مناسبا، لأن اسرائيل لم تنته بعد من عملياتها العسكرية في الضفة)! وهكذا أدرك العاهل المغربي ان سؤاله للوزير الأمريكي كان متفائلا أكثر من اللازم اذ كان يتحدث عن بضعة أيام يتسكع فيها الوزير الأمريكي قبل الوصول لأرض المعركة والمذبحة بينما المطلوب أسابيع أو شهور لانهاء المهمة! وهكذا بدأ العاهل المغربي مرحلته لأمريكا بتوجيه الشكر الجزيل للوزير الأمريكي على جهوده الرائعة لمعالجة الموقف. أما العاهل الأردني فلم يكن قد قال مايغضب المسئولين فاكتفى بتكرار مواقفه، بينما تعمد الجانب السعودي اعلان التعهد بتعويض أي نقص في سوق البترول بعد قرار العراق بوقف صادراته ودعوته لخفض الدول العربية لانتاجها. - على الجانب الأمريكي كان الموقف متكاملا لوضع الجانب العربي تحت كل الضغوط الممكنة فبعد كل الدعم الذي قدمته أمريكا للسفاح شارون، وقف الرئيس الأمريكي بوش (الصغير) ليستفز العالم كله وليس العرب فقط، بالتأكيد على أن شارون رجل سلام! وبينما كانت أمريكا تمارس كل الضغوط لمنع ادانة اسرائيل في مجلس الأمن، ولرفض التحقيق في مذابح شارون والاكتفاء بلجنة لتقصي الحقائق أعلن شارون رفض استقبالها أو التعاون معها بتشجيع من الادارة الأمريكية التي وقف وزير خارجيتها المعتدل ليقول لنا انه لا يوجد دليل على مذابح في مخيم جنين! ولكي تكتمل كل وسائل الضغط أعلن وزير الخارجية الأمريكي انه سيعود الى المنطقة لا ليوقف المذابح أو يحاسب اسرائيل على جرائمها وانما ليحاسب عرفات على الافعال والأقوال كما أكد السيد باول وهو يطالب الرئيس الفلسطيني المحاصر داخل غرفته بان يبذل المزيد من الجهود للقضاء على (الارهاب) الفلسطيني وليس الاسرائيلي أو الأمريكي!! والأهم من ذلك أن يأتي العرب وهم في موقف الاتهام لا الضحية.. وهكذا.. أعلن باول قلقه من جمع التبرعات في البلاد العربية للفلسطينيين لأنها تدعم منظمات المقاومة الارهابية من وجهة النظر الأمريكية وأدانت الادارة الأمريكية أي مساعدات يتم تقديمها لعائلات الشهداء باعتبارها مكافأة لهؤلاء الذين تعتبرهم واشنطن (قتلة)، ثم طالبت الدول العربية بأن تعلن جميعها ادانتها للعمليات الاستشهادية والامتناع عن التحريض ضد اسرائيل!! في مثل هذا المناخ.. يبدو الحديث عن مفاوضات حقيقية من أجل سلام حقيقي ضرباً من الأوهام، ويكون انتظار تحولات هامة في الموقف الأمريكي جريا وراء سراب فنحن امام قوة عظمى أو أعظم حسمت أمرها وقررت سياستها في المنطقة، ووضعت العرب في خانة الاعداء، وأعلنت عليهم (الحرب الصليبية المقدسة) كما أعلن الرئيس دبليو بوش في (زلة اللسان) الشهيرة والتي تثبت الأحداث يوما بعد يوم أنها الحقيقة الاساسية التي تحكم موقف واشنطن في المنطقة. ثم.. لماذا تتراجع واشنطن اذا كانت تملك القوة لفرض سياستها، وتملك اسرائيل للقيام بالأدوار القذرة، وتواجه أنظمة عربية لا تملك الا الفزع مما يجري والعجز عن التعامل معه؟! لماذا تتراجع واشنطن اذا كانت كل مصالحها لدينا مازالت بألف ألف خير.. صفقات السلاح بمليارات الدولارات تسير في طريقها دون أن يقول لنا أحد لماذا أنفقنا هذه المليارات اذا كان النظام العربي عاجزا عن مواجهة العدوان ووقف المذبحة التي تجري للشعب الفلسطيني! والبترول العربي يذهب بالثمن الذي يناسب أمريكا وأوروبا! والمسئولون العرب يطمئنوننا أن القواعد العسكرية باقية على أراضينا والمذابح تجري في فلسطين بينما الاستعدادات تجري في بعض عواصمنا لمراجعة الكتب المدرسية لتأكيد ثقافة السلام!! وحذف كل مايحض على الجهاد! والطائرات الأمريكية تقصف المدنيين في فلسطين وأمريكا تعلن ان هذا دفاع عن النفس تمارسه اسرائيل، ولم نسمع عن الغاء حكومة عربية لصفقة سلاح أمريكي لم ولن يستخدم أبدا في الدفاع عن الوطن! لماذا تتراجع واشنطن اذا كانت تصف شارون بأنه رجل سلام ولا تجد من يقول لها ان ذلك يعني اعلان حرب رسمي من جانبها على العرب جميعا؟ ولماذا تتراجع واشنطن اذا كان قد حدث ماحدث فلم تجتمع قمة عربية حتى الآن، ومازال التسويف في عقد القمة الاسلامية مستمرا، ومازال بعض أولي الأمر ينصح بـ (التوسل) لأمريكا.. لعل وعسى!! كنت أتصور أن تنعقد على الأقل قمة ثلاثية بين السعودية ومصر وسوريا، وأن يذهب بعدها ولي عهد السعودية الى واشنطن ليقول خطابا عربيا يؤكد على أمور مهمة: ـ إن الولايات المتحدة الأمريكية هي المسئولة الأولى عما يجري في فلسطين، وان عليها أن تدرك ان مايحدث سيكون نتيجته تدمير مصالحها في المنطقة. ـ إنه لا مجال لأي تفاوض بعد الآن قبل الإقرار الأمريكي أولا والاسرائيلي ثانيا بالعودة لحدود 67. ـ إن الأمة العربية قد لا تملك خيار الحرب الآن، ولكن بين خيار الحرب وخيار الصمت والعجز مساحة كبيرة يملك فيها العرب الكثير من الأوراق المؤثرة. من المال الى الاقتصاد الى البترول الى الموقع الاستراتيجي المؤثر. ـ إن كثيراً من الأنظمة العربية لم يعد لديها ماتقدمه للرأي العام في بلادها دفاعا عن صداقة مزعومة مع الولايات المتحدة الأمريكية بينما المذابح في فلسطين ترفع العلم الأمريكي قبل الاسرائيلي. مثل هذا الخطاب وحده هو الذي تسمعه واشنطن وتحترمه. وبدونه فإنها ماضية في طريقها لايزعجها الآن الا أمر واحد هو حملة المقاطعة الشعبية التي تتنامى في كل الوطن العربي يوما بعد يوم، هذه الحملة التي تسجل تقدما كبيرا في الامارات ينبغي أن تتصاعد وتتكثف لتكون في الوقت نفسه: سلاحا ورسالة. سلاحا نوجهه الى كل من يشارك في العدوان على أمتنا.. ورسالة تقول ان الأمة تملك أن تكره اعداءها وأن تقاطعهم، وتستطيع ان تعبر حالة (العجز) التي تمر بها، لتقول (لا) لكل هذا الهوان الذي يراد بها. إن كل سلعة أمريكية نشتريها هي إسهام في قذيفة تطلق اليوم على طفل فلسطيني، وتطلق غداً على أطفال العراق ولبنان، وتطلق بعد غد على كل ركن في الوطن العربي. إن كل سلعة أمريكية نشتريها هي تعميق للاحساس بالاذلال الذي يراد لنا، والرضا بالهوان الذي يتصور البعض أنه المصير الطبيعي لأمتنا. انهم يطلبون منا ان نمتنع حتى عن جمع التبرعات للفلسطينيين.. فلنقل لهم اننا مستمرون في دعم الاشقاء، ومستمرون في كراهية العدو، ومستمرون في مقاطعة كل من يشارك في العدوان علينا وفي ضرب مصالحه التي يتصور أنها لا تتحقق الا على جثث أطفالنا وبنهب ثرواتنا وبفرض منطق القوة لاغتصاب الأرض واذلال الأمة. المفاوضات الحقيقية مع أمريكا تجري على الأرض.. باستمرار المقاومة في فلسطين مهما كان الثمن، وبالدعم العربي لها مهما كانت الضغوط، وبالمقاطعة الشعبية - انتظارا للرسمية - لكل السلع الأمريكية، وبخروج الأنظمة العربية من حالة العجز واستعادتها للإرادة المسلوبة واستخدامها للأوراق العديدة التي يملكها العرب. وبدون ذلك فإن الاوضاع ستزداد سوءا، والحرب الصليبية الأمريكية الاسرائيلية ستتصاعد ضد العرب، وشارون سيظل ـ عند الرئيس الأمريكي وحده ـ رجل السلام، والضغوط ستستمر لاستكمال المهمة في فلسطين وبعدها العراق ولبنان وسوريا، ولن تتوقف المطالب الأمريكية حتى يعلن العرب الاستسلام بلا قيد أو شرط. فلتستمر المقاومة، ولتتصاعد المقاطعة، فليس أمامنا خيار آخر. وليدفع العدو الاسرائيلي ثمن عدوانه، ولتدفع أمريكا ثمن حربها الصليبية فبدون ذلك سوف نموت من العجز، وسوف يموتون من حماقة القوة والتعصب التي أودت بكل امبراطوريات الشر على مدى التاريخ. ويبقى التأكيد على أن الحوار مع أمريكا مهم وضروري، ولكن باللغة الوحيدة التي تفهمها.. أي لغة المصالح، وطالما بقيت المصالح الأمريكية آمنة في المنطقة فستظل الادارة الأمريكية تتصرف بمنطق (اليانكي والهنود الحمر).. ذلك المنطق الذي يسمح لها بأن تضرب طائراتها الفانتوم والأباتشي أطفال فلسطين وتدمر المدن وتشرد الأبرياء ثم ترسل لهم الخيام وبعض الغذاء ولعب الأطفال اللازمة للتصوير الدعائي.. لقد رفض أطفال جنين هدايا أمريكا، فهل يرفض العرب منطق (اليانكي والهنود الحمر) من أساسه؟! ـ نائب رئيس تحرير « الاخبار » المصرية