ما الفرق بين حرية الصحافة وصحافة الحرية؟ يشهد العالم العام موجة من التضييق على العمل الصحفي الحر وذلك نظرا للأوضاع المتوترة في البقاع الساخنة من فلسطين وأفغانستان وكل مكان يبحث فيه الانسان عن نسمة من الحرية تنقذ حياته. مع ان الحالة هذه تستدعي المزيد من الشفافية والوضوح لإيصال معاناة الناس في مثل هذه الظروف العصيبة، فلو ضربنا مثلا صارخا بقتل انسان في غابة وقد علم ذلك لدى جميع المعنيين بأمر الحفاظ على حياته وبعد ان تحول جثته الى مزيد من العفن تنطق الصحافة بخبر القتل وتتابعه ساعة بساعة وقد ضاعت بين يوم القتل ويوم النشر كل الحقائق الدالة على انقاذ ذلك الانسان من الموت. فالحرية في الصحافة مكبلة بقيود سياسات التحرير أولاً قبل قوانين الاعلام في المطبوعات والمنشورات والصحافة الحرة سرعان ما تذهب وراء الشمس دون ان يثير ذلك اشمئزاز حرية الصحافة او حتى ادنى درجات من الاحتجاج، فلا نصدم إلا بعبارة احتجبت الصحيفة عن الصدور لاسباب مالية وادارية وهي في الواقع لم تصب إلا في حريتها. يدخل طالب الاعلام الى مجال الصحافة دارسا وعاملا، فيعود الى الوراء سنوات يتذكر الاستاذ الذي حدثه عن اهم عامل من عوامل انتشار الصحف وسرعة توزيعها «بالحرية» التي يبحث عنها من كان طالبا واصبح موظفا لا يستطيع ممارسة الحرية في مجال الصحافة الحرة. هذا بالضبط ما يحصل في العالم الاوسع وفق اللجنة المركزية المستقلة لحماية الصحافيين في كتابها السنوي الذي صدر مؤخراً حول اوضاع الحريات الصحافية حول العالم. ان هجمات الحادي عشر احدثت ازمة في مجال حرية الصحافة على نطاق عالمي، حيث كشفت اللجنة عن 600 حالة قمع لحرية الصحافة في 137 دولة بما في ذلك الولايات المتحدة، عندما حاولت وزارة الخارجية منع بث مقابلة اجرتها اذاعة «صوت امريكا» مع رئيس «طالبان» الملا عمر. اذا كان اكثر من نصف دول العالم اجمعْ، اجمعَ على هذا النهج فماذا بقى من رفات الحرية الصحفية في النصف المظلم من القمر؟! فاذا ما تأخرت الحرية عن اللحاق بالصحافة، ولم تصل الى مستوى الصحافة الحرة في طرح ما يهم الانسانية من قضايا تتعلق بمصيرها، فماذا تنتظر ان يكون حصاد ذلك العمل البعيد عن المصداقية في التناول؟! ان الانتقاص من الحريات الصحفية يجر الى مشاكل خطيرة تذهب ببهاء هذا العمل النبيل، والذي يراد من خلاله اظهار الحق بكل معانيه الجميلة للآخرين الذين يتلهفون على سماع خبر صادق لم يتعرض الى عمليات جراحية في البتر يعيد الى الموات من البشر حياتهم الحقيقية، فإذا كانت الحرية في النشر أولى أعمدة اخلاق هذه المهنة التي يراد لها الانتحار فما مصير الاعمدة الاخرى؟!