لا شيء يحمل على مساءلة المثقفين في بلادنا أكثر من السؤال فيما ينبغي عليهم أن يفعلوه بإزاء الحادث السياسي. وفي الفضاء العربي المكتظ بما يستدعي اشارات الاستفهام، سيكون من البديهي ان يتلقى المجتمع الثقافي جرعة زائدة منها، فإذا هو على مرمى الألسن وقسوتها، ناهيك عن الاشارات الحادة حيال دورهم المفترض، ومكان اقامتهم وفعلهم ضمن دوائر الاحداث. الامر في هذه الحال أكثر من طبيعي، ومردّه الى المهمة «الرسالية» التي خلعتها النخب على نفسها، كأن يناط بها ما ينبغي وما لا ينبغي من الصغير والكبير من قضايا الامة. في ذروة المشهد الفلسطيني سنقع على مفارقات في السلوك الاجمالي للبيئة الثقافية العربية. فبدا كأن على المثقف أن يمارس اضعف الايمان في وقت يرتفع جدار امام فعالية تفتح له بوابة سبر أغوار الجرح النازف. وحيث الانقسام الدرامي في جهات الامة الأربع يفعل فعله وَهَناً وضعفاً ومسْكَنة، اللهم إلا ما صدر من تعبيرات صادقة من الشارع العربي في غضون ايام المواجهة. ما يفضي اليه المشهد اليوم يعيدنا الى اسئلة بديهية. والمثقف في قفص المساءلة، فهو حيناً متهم بالهامشية، سواء صدر التهميش منه او من سواه، وحيناً باللامبالاة كمن يعيش على السطح ككائن طفيلي لا رجاء فيه. وغالباً بالشعور بعدم الفعالية لوهم اثقل رأسه من ان لا رأي لمن لا سلطان له، وان حضوره في مجري الاحداث لن يبدّل في الوضع شيئاً، لذا فهو ارتأى ترك المهمة لاصحاب الشأن. فهم على ما يقول، من يمتلكون الناصية والقدرة على التأثير والقول الفصل. هل لنا ان نغادر الوهم.. وهل بامكاننا ان نصنع مما بين ايدينا من قدرات قوى ضغط وفعل في مجتمعاتنا المدنية وعلى مستويات لا حصر لها؟ يمكن ان يتحول المجتمع الاهلي العربي الصادق في مشاعره واحاسيسه ورؤاه حيال قضايا امته، وفي المقدمة منها قضية الشعب الفلسطيني ان يفارق شتاته، وينتظم ضمن سياق تتعزز فيه وحدته وتضامنه وتكافله من دون ان يصطدم بضرورات السلطة وانظمتها وشروط استمرارها. ولعل ما شهدناه من مشرق العالم العربي الى مغربه من تظاهرات الملايين الى السخاء المنقطع النظير في مد يد المناصرة لشعب فلسطين ومقاومته لأمر عظيم الدلالة. ليس صحيحاً ما يوصف من ان انخراط المثقف في الاحداث الجارية حوله بأنه يحشر أنفه فيما لا يعنيه، إذ لا يمكن ان يكسب المثقف صفته تلك من دون معرفته وادراكه لكل ما يجري قريباً منه او بعيداً، وبالتالي فإن التدقيق بتفاصيل الاشياء هو مفصل اساسي في عملية التفاعل، وبدون ذلك يصبح مستهلكاً لـ «الشائعة» استهلاكه للسجائر والقهوة واصباغ الحبر! والذي يجول في الوسط الثقافي، سوف يكتشف صورة اخرى، وإن يتعذر تعميمها. فثمة مثقفون يدركون اهمية الحضور الفاعل في حركة المجتمع المدني، وذلك بالنسبة اليهم مثابة اثبات وجود ودلالة على رفض التهميش الذي البسهم اياه نمط من التعامل المكرّس على مدى سنين متعاقبة. وفي الجهة المقابلة، نرى بعضاً منهم اختاروا الاقامة بين جدران اربعة او في حانات صغيرة، وهم يعتقدون ان العالم كله بين ايديهم، ويجترّون ايامهم بما لا ينتج سوى بعض الحركات الاستعراضية التي باتت «موضة» قديمة وعديمة الفائدة. ولا يقف الامر عند هذا الحد، اذ نشهد على حلباتهم مبارزات دونكيشوتية الشكل والمضمون، يتضامنون مع قضية ما، لكنهم يهاجمون اشكال التحرك لنصرتها ويتهمون نظراءهم بأنهم اصحاب منابر ومتسلقون ومستفيدون من وهج الحدث فيما يرفضون ادنى انتقادٍ لهم او اختلاف في الرأي معهم. لكأننا في الحال هذه، مثل ذلك المشهد الملحمي في صورة قتل الأبناء لآبائهم، او كأولئك الابناء الذين يسعون الى الغاء آبائهم بشحطة قلم واحدة، كأن لا وجود يتحقق لهم الا بالجحود!! لكن لسنا على ريب فيما نقول من ان صورة الشارع العربي تمنحنا التفاؤل بدور مستعاد لمثقفي بلادنا. فما بين ايديهم يمنحهم القدرة على الحفر باتجاه المجتمع الفعّال السلمي والمتسامح. ولسوف نمضي في التفاؤل الى رؤية هذا المثال الثقافي الجامع بين حداثة تتخطى نفسها باستمرار وجرأة على ممارسة النقد المجدي والايجابي، ابتداءً من ذاته ووصولاً الى السائد السياسي والاجتماعي والمعرفي بمظاهره كافة. وهكذا يصبح من الطبيعي ان يسأل البعض عن احوال المثقفين في زمن الاحداث الكبرى، فقد بات امراً لا مناص منه لقيام المجتمع المدني، ان يتحوّل المثقف الى جماعة لها كيانها وقواها والى كتلة لها سلطة المراقبة والملاحظة. ولعل شرط المثقف المدني ان يكون مواطناً حراً اجتماعياً ليمارس لعبته السياسية، وان يكون حراً اجتماعياً فالمسألة تبدأ من البيت والاسرة والحي ومن مجمل صلاته مع الاخرين حتى لا يحدث الانفصام بين سلوكه الداخلي وفعله الخارجي. في العام 1940، فكّر الكتّاب الفرنسيون ان خلاص البلاد يمكن ان يتم عن طريق الادب وفي عدم الاستسلام لصمت الاذلال الذي يفرضه المحتل النازي.. وقد افلحوا. وفي العام 2002، زار مدينة رام الله الفلسطينية اعضاء من برلمان الكتاب العالمي وبينهم حاملون لجائزة نوبل للآداب، واضاءوا جانباً مما ينبغي على المثقف المقتدر ان يسلكه في مواجهة النازيات الجديدة، ولقد افلحوا ايضاً. ثمة إذن، تحوّل يجري تحت السطح ينبغي ادراكه، ولذا فلن نأتي بالسؤال من وجهه السالب المتشائم، كأن نعيد ما اعتدنا عليه: متى نغادر قدرنا المهزوم؟ سنأتيه مما يجب ان يكون عليه سؤال اليوم والغد: لقد بدأنا رحلة الاضاءة، وان كان الضوء خافتاً في اول الطريق. إذ ما ينبغي علينا بعدئذٍ هو تفاؤل العقل وتفاؤل الإرادة.