بين الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش وبين كلبته خيط رفيع لكنه غير واه، فسبوت ـ وهذا اسم كلبة الرئيس ـ كانت الوسيلة المؤثرة التي استخدمها لتحسين صورته أمام الناخبين أثناء حملته الانتخابية، على منصب الرئاسة الأمريكية.. وسبوت هي نفس الكلبة التي تظهر معه الآن أمام عدسات المصورين كلما أراد ان يحتقر العالم، وكأنه يقول للفلسطينيين والعرب «لا وقت لدي كي أضيّعه معكم، أنا مشغول الآن بالترفيه عن كلبتي سبوت»! لقد أتقن مستر بوش اللعبة جيدا بعد أن اعتقد الكثيرون أنه يتلعثم ولا يستطيع حتى حفظ اسم أقرب المقربين له، وأجاد الدور الذي رسمه المستشارون بكل دقة، فأصبح المواطن الأمريكي يحفظ بكل تلقائية اسم الكلبة سبوت، بينما يكاد لا يتذكر تهجئة اسم زوجة الرئيس أو اسم ابنته! ولأن الأمريكيين يركزون كثيراً على عادة اقتناء الكلاب تجدهم يبحثون في أصولها وأنواعها وسلالتها وشجرة عائلاتها، بل وأصبح الاسم يمثل علامة من علامات القوة والحب والكراهية، فبعد ان كانت الاسماء القديمة تتركز على أدباء وشعراء وابطال اسطوريين، مثل شكسبير وشو وانطونيو وجولييت، تحولت إلى أسماء لأعلام جرائم وحروب مثل كارلوس وهتلر وموسيليني واليوم تحول المزاج الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر إلى أسماء جديدة فانضم الملا عمر وابن لادن وطالبان الى لائحة الأسماء المتداولة في اطار النقمة على العرب والمسلمين.. أقول ذلك بعد اكتشاف أحد المواطنين اثناء قيامه بشراء كلب أجنبي اشارة واضحة بهذا المعنى فقد كان اسم ابن لادن مدونا بكل وضوح على الأوراق الثبوتية للكلب اضافة الى العمر والسلالة والتفاصيل الأخرى. ويبدو أن أسامة الذي اخترق حدود الحب والكراهية لم يقف عند أبواب بعينها فهو مطارد ومطلوب ويعيش كاسم على التناقضات المثيرة، فها هو يسلم بن لادن احد اخوته يخطط لتأسيس شركة ملابس تحمل اسما ربما كان يمثل تحديا تسويقيا هائلا هو ابن لادن، وها هي يلينا سلوبردا الفتاة الأوكرانية البالغة من العمر 28 عاما تطلب تغيير اسمها الى أسامة بن لادن في اطار حملتها الانتخابية للفوز بأحد المقاعد البرلمانية، ولم يستطع موظفو السجل المدني إثناء الفتاة عن رغبتها لعدم تعارض طلبها مع أي من القوانين الأوكرانية، لكن الشرطة وجدت الحل بعد شهرين من خلال اعلانها بتعذر تسجيل هذا الاسم بسبب اعلان أسامة خارجاً على القانون! وإذ وجدت الشرطة الاوكرانية مخرجاً لمشكلتها مع يلينا فان المدرسين الخصوصيين في القاهرة وجدوا مخرجاً لعمل دعاية مجانية مثيرة، فهؤلاء غالبا ما يستخدمون الدعاية الرنانة لأنفسهم، حيث تجد أحدهم يقول: نيوتن الفيزياء يحل مشاكلكم الفيزيائية، أو آخر يقول لا داعي لقلق الأبناء مع الاستاذ حسنين عبدالقادر شكسبير الأدب الانجليزي.. الآن أصبح اسم ابن لادن يرن في أرجاء الدروس الخصوصية اذ تقرأ: حيرتكم تزول مع الاستاذ أحمد أفندي ابن لادن اللغة العربية.. لقد أصبح الرجل من خلال تداعيات الأحداث سيبويه اللغة العربية، ولا ندري غداً ربما يمتد اسمه فيغزو عوالم أخرى.. وأعود من حيث بدأت من فصل الكلاب الذي أصبح لزاماً علينا أن نعرفه جيداً فربما يطالبنا بوش غداً وضمن الاملاءات والعجرفة الأمريكية باختبار حول كلاب أمريكا فنكون قد تحرزنا سلفاً ونجحنا في امتحانات الثقافة الكلابية. لقد أصبح من المتعذر على أي رئيس أمريكي ان ينتقل الى البيت الابيض دون ان يكون بصحبته حيوان منزلي يظهره أمام الجميع ويسبغ على شخصيته نوعا من الحنو والعاطفة والبساطة، ولهذا وجد بوش الابن ضالته في هذه النقطة بالذات لأن كلبته التي تعرفها الأمة الأمريكية هي ابنة أغنى وأشهر كلبة أمريكية اسطورية اسمها ميلي والتي سبق لها ان اكتسبت برعاية صاحبيها جوج بوش الأب وزوجته باربرا سمعة ككلبة الأمة الأولى! واستطاعت الكلبة في كتابها الذي يحمل عنوان «كتاب ميلي كما أمليته على باربرا» أن تتصدر قائمة أكثر الكتب رواجاً، حيث بلغت مبيعاته 300 ألف نسخة ودرّ عليها أرباحاً تقدر بملايين الدولارات. واستخدم جورج بوش الأب الكلبة ميلي في حملته الانتخابية عام 1992 ووصفها بأنها أذكى من البوزو وهو لقب يُطلق على الاداريين قليلي الكفاءة، وبالمقابل أدرك كلينتون أهمية الكلب الأول في البيت الأبيض بعد ان انتقل اليه بصحبة قطته الصغيرة «سوكس» وكان الكلب الجديد بودي خير معين له ابان فضيحة مونيكا جيت، وأثناء انتقال هيلاري الى نيويورك! ويتساءل البعض عن أسباب هذا الضغط الكلابي على الرئاسة الأمريكية، وتأتي الاجابة بسهولة وتأتي بأن عدد الاشخاص الذين يقتنون الكلاب في أمريكا يصل الى 54 مليون شخص، وهم يتعاطفون ضمنيا مع الرئيس الحنون على الكلاب.. ولم ينس الأمريكيون ما فعله الرئيس جونسون في العام 1964 حينما سحب أحد كلبيه «هيم وهير» من أذنه كي يسهل للمصورين تصويره، ولم يعلم أنه يرتكب بهذا الأسلوب حماقة جعلت صرخات الاحتجاج على تصرفه تدوي في طول الولايات المتحدة وعرضها!! كان العرب يعتقدون أنهم يواجهون اللوبي اليهودي في أمريكا بينما اتضح انهم يواجهون أيضاً اللوبي الكلابي، ولا يتبقى لنا الا ان ننحني كما انحنت شويكار في مسرحية سيدتي الجميلة ونردد كما رددت.. «انت الكلب الكبير»!