لم يكن غريبا أن يبدي الرئيس الأمريكي بوش بعد بضع ساعات من قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1402 الذي طالب اسرائيل بسحب قواتها بالكامل من رام الله وجميع المدن الفلسطينية، تعاطفه وتفهمه لما ترتكبه اسرائيل من مجازر وحشية في حق الشعب الفلسطيني، ويطالب في الحديث نفسه الذي صرح به من مزرعته بولاية تكساس عرفات بأن يتخذ المزيد من الاجراءات لمنع ما أطلق عليه العمليات الارهابية، بينما يعلم بوش يقينا أن عرفات معزول تماما عن العالم الخارجي في مقره الرئاسي الذي تحاصره قوات شارون، وأنه لا سيطرة له على العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الشباب الفلسطيني اليائس والمحبط بسبب الجرائم الوحشية التي ترتكبها اسرائيل في حق الشعب الفلسطيني. تواطؤ مسبق ويرجع عدم استغراب موقف بوش لادراك الجميع على كل الساحات الاقليمية والدولية أن الاجراءات العسكرية الاسرائيلية الأخيرة، كانت بموجب اتفاق مسبق وضوء أخضر تلقته اسرائيل من الادارة الأمريكية، وكانت هذه الادارة قد سبق لها أن سمحت لشارون بمهلة ستة أشهر لإنهاء الانتفاضة، ويرجع هذا الموقف السلبي لادارة بوش الى حساباتها الداخلية على الساحة الأمريكية، وسعيها للحصول على تأييد ودعم اللوبي الصهيوني في حملة انتخابات الرئاسة القادمة، حيث يرغب بوش في الحصول على فترة رئاسة أخرى، وهو ما يتطلب في نظره استرضاء اسرائيل بكل الوسائل والطرق والامكانات الممكنة، لذلك جاء حديثه على هذا النحو من التملق لاسرائيل حتى لا يغضبها، بعد أن اضطرت الادارة الأمريكية للموافقة على قرار مجلس الأمن المشار اليه وكانت اسرائيل واللوبي الصهيوني يريدان من واشنطن - كعادتها دائما - أن تستخدم حق الفيتو في عدم تمرير مشروع هذا القرار، ولكن تحذيرات الزعماء العرب من غضبة الشارع العربي التي قد تهدد المصالح الأمريكية بشكل مخيف في حالة استخدام أمريكا للفيتو، هي التي أجبرت واشنطن على الموافقة على القرار، ويبدو أن الادارة الأمريكية اتفقت مسبقا مع شارون على عدم الالتزام بتنفيذ هذا القرار، وهو ما نرى انعكاسه في رفض اسرائيل للقرار، واستمرار العدوان في ظل صمت أمريكي مطبق رغم حالة السخط التي تشمل معظم بلدان العالم، تأكد ذلك بوضوح في تصريح (ايهود لانكري) سفير اسرائيل في الأمم المتحدة الذي قال فيه أن المسئولين الأمريكيين، أكدوا للجانب الاسرائيلي أن اسرائيل ليست ملزمة بالانسحاب فورا من المدن الفلسطينية وفقا لقرار مجلس الأمن لأنه لا يتضمن جدولا زمنيا. فمن الواضح أن حسابات انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، والكونجرس الأمريكي، بجانب عوامل أخرى كثيرة تتعلق بسيطرة اللوبي الصهيوني على المؤسسات المالية والاعلامية والصناعية والثقافية في الولايات المتحدة وغيرها من الهيئات والأجهزة المتحكمة في جوانب الحياة في المجتمع الأمريكي، أصبحت هذه العوامل هي المهيمنة على عملية صنع القرار السياسي الأمريكي بأبعاده الداخلية والخارجية والدفاعية، بغض النظر عما اذا كان هذا القرار في صالح الولايات المتحدة وشعبها أم لا.. والدليل على ذلك عدم استجابة الادارة الأمريكية للتحذيرات العديدة التي توجه لها - خاصة من قبل الزعماء العرب - من مغبة انحيازها المطلق السافر لاسرائيل، والذي يعرض المصالح الأمريكية المهمة في المنطقة وخارجها لمخاطر عديدة، وهذه المخاطر ربما تأخذ اشكال عنف كتلك التي حدثت من قبل مثل الهجوم الذي تعرضت له السفارتان الأمريكيتان في نيروبي ودار السلام، والهجوم على المدمرة (كول) في ميناء عدن، ثم كانت أحداث 11 سبتمبر القاتلة في العام الماضي في عقر الدار الأمريكي. ومما لاشك فيه أن هذا (التغييب المتعمد) في الادارة الأمريكية عن رؤية ما يتهدد المصالح الأمريكية من مخاطر، يرجع الى قدرات اللوبي الصهيوني، وهي قدرات تجاوزت الحد، وأصبحت تفرض نفسها بشكل فاضح على السياسة الأمريكية، وتهدد بتقويض المصالح الأمريكية في المنطقة، إلا أن هذا اللوبي الصهيوني لا يعنيه ولا تهمه المصالح الأمريكية، بقدر ما تهمه مصالح اسرائيل وتحقيق أهدافها التوسعية في الشرق الأوسط، ولو كان ذلك على حساب المصالح والأهداف الأمريكية. تحذيرات الرؤساء الأوائل يبدو أن الرؤساء الأمريكيين في الخمسين سنة الأخيرة - ومنذ نشأة اسرائيل، لم يعوا جيدا ما سبق أن حذر منه الرؤساء الأمريكيون الأوائل من مخاطر الهيمنة اليهودية على الحياة الأمريكية، وكان على رأس هؤلاء الرئيس جورج واشنطن، أول رئيس لأمريكا الذي قال في عام 1788 محذرا «من المؤسف أن الدولة لم تطهر أراضيها من هذه الحشرات (يقصد اليهود) رغم علمها ومعرفتها بحقيقتهم.. ان اليهود هم أعداء سعادة أمريكا ومفسدوا هنائها». وفي كتاب عن مأثوراته يقول جورج واشنطن عن اليهود أيضا: «إنهم يعملون ضدنا بشكل أكثر فعالية مما تفعله جيوش العدو، فهم أخطر منهم مائة مرة على حرياتنا وقضايانا، وأنه لمن المحزن جدا أن كل ولاية لم تعمد منذ أمد بعيد الى ملاحقتهم باعتبارهم آفة على المجتمع». أما الرئيس الأمريكي (بنيامين فرانكلين)، فقد خاطب مؤتمر اعلان الدستور في فلادلفيا سنة 1789 قائلا: «هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك هو الخطر اليهودي، أيها السادة: حيثما استقر اليهود نجدهم يوهنون من عزيمة الشعب، ويزعزعون الخلق التجاري الشريف، أنهم يكونون حكومة داخل الحكومة، وحينما يجدون معارضة من أحد، فإنهم يعملون على خنق الأمة ماليا». وكان فرانكلين في هذا يشير الى محاولات المرابين اليهود وضع (بنك أمريكا) تحت سيطرة «بنك انجلترا» الذي كان يرأسه الصهيوني المعروف (أمشيل ماير روتشيلد) وما يعنيه ذلك من هيمنة يهودية على الاقتصاد الأمريكي، ثم يضيف فرانكلين واصفا اليهود: «منذ 1700 سنة وهم يندبون مصيرهم.. لا لشيء إلا لادعائهم أنهم طردوا من الوطن الأم (فلسطين).. ولكن تأكدوا أيها السادة أنه اذا أعاد اليهم عالمنا المتحد فلسطين، فإنهم سيجدون الكثير من المبررات لعدم العودة اليها لماذا؟ لأنهم مثل الطفيليات التي لا تعيش على نفسها، انهم لا يستطيعون العيش فيما بينهم، فلابد لهم أن يعيشوا بين المسيحيين وبين الآخرين الذين هم ليسوا من جنسهم وعلى حسابهم». وبالفعل وبرغم هجرات اليهود الجماعية الى فلسطين منذ الثلاثينيات وحتى اليوم، فلا يزال يتواجد بالولايات المتحدة حوالي 6 ملايين يهودي يسيطرون تماما على مقدرات 200 مليون أمريكي، وهو ما حذر منه فرانكلين في باقي رسالته الى المؤتمر عندما قال: «اذا لم يمنع اليهود من الهجرة الى الولايات المتحدة الأمريكية بموجب الدستور، ففي أقل من 100 سنة سوف يتدفقون على البلاد بأعداد ضخمة كالجراد تجعلهم يحكموننا ويدمروننا.. واذا لم يمنع اليهود من الهجرة الينا، فإنه لن تمضي أكثر من 200 سنة ليصبح أبناؤنا عمالا في الحقول لتوفير الغذاء لليهود الذين سيجلسون في البيوت المالية مرفهين يفركون أيديهم في غبطة» ثم يذكر فرانكلين بحقيقة هامة عن أخلاق اليهود وطبائعهم الوضيعة المتدنية التي لا يمكن تغييرها، حين يقول: «إن عقليتهم تختلف عنا، حتى لو عاشوا بيننا عشرات الأجيال، فالنمر الأرقط لا تستطيع تغيير جلده، انهم خطر على هذا البلد، ويجب أن يستبعدوا بمؤتمركم الدستوري». لقد صدقت توقعات (فرانكلين) تماما، اذ تحققت سيطرة اللوبي اليهودي اليوم على أمريكا بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ هذه البلاد، وأبرز دليل على ذلك تصريح أطلقه وزير خارجية اسرائيل السابق (شلومو بن عامي) أثناء المفاوضات التي كانت جارية بين الفلسطينيين والاسرائيليين باشراف ادارة كلينتون السابقة، حين قال: «اننا لا نسعى الى وساطة أمريكية، لأننا ببساطة نحن القضاة»!! وعندما سيطر كبار رجال المال اليهود على (بنك أمريكا) عام 1783، وأرادوا أن يمنحوا أنفسهم حق اصدار أوراق النقد، وبذلك يمكنهم التسلط على الاقتصاد الأمريكي، فطن زعماء ثورة الاستقلال الأمريكية الى هذا الخطر الداهم، وهم (جون آدامز) و(توماس جيفرسون) و(أندرو جاكسون) الذين أصبحوا فيما بعد رؤساء للولايات المتحدة، وهو ما انعكس في الفقرة التالية من رسالة كتبها (جيفرسون) الى (آدامز) «إنني مؤمن بأن هذه المؤسسات المصرفية (البنوك) التي يسيطر عليها اليهود، أشد خطرا على حرياتنا من جيوش غازية.. وقد خلقت بوجودها أيضا ارستقراطية مالية أصبحت تتحدى بسلطانها الحكومة وأرى أنه يجب استرجاع امتياز اصدار النقود من هذه المؤسسات الى الشعب صاحب الحق الأول فيه». احكام السيطرة وعندما أثارت هذه الانتقادات مخاوف المرابين العالميين اليهود، ونبهتهم الى الصعوبات التي ستعترض تجديد امتياز (بنك أمريكا) عام 1811، عمد (ناتان روتشيلد) ممثلهم الى توجيه تهديد بنفسه الى الرئيس الأمريكي آنذاك (أندرو جاكسون) جاء فيه: «هناك حلان فقط، فاما الموافقة على تجديد الامتياز أو الرفض، وعندئذ ستجد الولايات المتحدة نفسها وقد داهمتها حرب مريعة». وقد استخدمت القوى اليهودية العالمية دائما أسلوب اثارة الحروب والثورات الأهلية ضد الزعماء الذين يقفون صامدين في وجوههم، ولكن الرئيس جاكسون لم ينصع لهذا التهديد الذي لم يصدقه، ورد عليهم قائلا: «لستم إلا مجموعة من اللصوص والأفاعي، وسوف أعمل على تحطيمكم، بل واقسم بالله أنني سوف أحطمكم». إلا أن المرابين اليهود في الولايات المتحدة وبريطانيا عمدوا الى وضع تهديدهم موضع التنفيذ، وبالفعل أثاروا الحرب الأهلية الأمريكية (1861 ـ 1866)وكان هدفها ضمنيا افلاس الخزانة الأمريكية بسبب انفاقات الحرب، حتى أصبحت الولايات المتحدة لا تجد مفرا من استجداء القروض الخارجية، وتحقق لليهود هدفهم عندما وافق الكونجرس على تجديد امتياز بنك أمريكا. وعندما تصدى الرئيس ابراهام لينكولن لمؤامرة هؤلاء المرابين اليهود، وأخذ يعمل في ولاياته الشمالية على تحطيم السلاسل التي طوقوا بها الاقتصاد الأمريكي، وذلك من خلال تطبيق الدستور الأمريكي متمسكا بالفقرة (5) من القسم الثاني من المادة الأولى، التي تمنح الكونجرس حق اصدار العملة، وأصدر بالفعل 450 مليون دولار جعل غطاءها القرض الوطني، عبأ المرابون اليهود حينئذ قواهم لمواجهة لينكولن الذي أصبح خطرا شديدا عليهم، وشرعوا بمناوراتهم ودسائسهم الخفية بهدف تجريد العملة الجديدة من قيمتها أولا، ثم القضاء على لينكولن ذاته، وقد نجحوا في اغتياله ليلة 14 ابريل 1865 في المسرح من قبل يهودي يدعى (جون ويلكزبوث) وقد وجد المحققون في أمتعة القاتل رسالة تثبت صلته بـ (يهوذا ب بنيامين) عميل روتشيلد الأول في أمريكا. ولقد كشف المليونير الأمريكي (هنري فورد) في كتابه (اليهودي العالمي.. المشكلة الأولى التي تواجه العالم) عن ابعاد سيطرة اليهود على المجتمع الأمريكي، وزوايا نفوذهم في دوائر المال والاعلام والصحافة والثقافة والقضاء وحتى في الكنائس المسيحية التي استبعدوا منها تلاوة (العهد الجديد) وقصرها فقط على (العهد القديم)، كذلك سيطرتهم على الأحزاب السياسية، خاصة الحزب الجمهوري الأمر الذي أدى الى اتساع نفوذهم في رسم السياسة الأمريكية بأبعادها المختلفة، ناهيك عن سيطرتهم على مناهج التربية والتعليم، وتغلغلهم في الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية، بالاضافة الى سيطرتهم على المسرح والسينما.. وما ينشروه من مفاسد في المجتمع الأمريكي شملت الخمور والقمار والرذيلة والفساد بأنواعه، وهو ما دفع اليهود الى اعلان الحرب على هنري فورد، وكذلك نقابات العمال ضده واحراق وتخريب مصانعه، رغم الجهود الجبارة التي قامت بها هذه المصانع لامداد القوات الأمريكية باحتياجاتها من مركبات القتال والطائرات أثناء الحرب العالمية الثانية. ولعدم أخذ الأمريكيين بتحذيرات رؤسائهم السابقين، تعاظم تأثير اليهود في المجتمع الأمريكي، حتى صار المال اليهودي صاحب قرار أساسي في حسابات امريكا السياسية والدفاعية، وباتت وسائل الاعلام أمريكية في ظاهرها صهيونية في باطنها، وبذلك تمكن اليهود من احتلال مواقع مهمة في مراكز صنع القرار السياسي الأمريكي هي (وزارتا الدفاع والخاجية، ووكالة المخابرات المركزية، ومجلس الأمن القومي) ناهيك بالطبع عن نفوذهم في الكونجرس ولأن لليهود أبوابا خلفية معروفة للوصول الى مرشح الرئاسة الأمريكية، صار استرضاء اللوبي الصهيوني والحصول على الصوت اليهودي العامل الأساسي في السباق نحو البيت الأبيض بل وجواز المرور اليه. ـ خبير استراتيجي مصري