جاء في تقرير للاذاعة البريطانية ان الاقبال على السلع الامريكية في السوق اللبنانية انخفض بنسبة 50 في المئة، بسبب الدعوة الجماهيرية الى مقاطعة المنتجات الواردة من الولايات المتحدة، فهل ينبيء هذا الخبر عن تنامي حركة المقاطعة في الوطن العربي ضد السلع الامريكية الى درجة احداث تأثير خطير على حركة التجارة العالمية للولايات المتحدة؟ لنقر اولا ان المقاطعة على المستوى الحكومي اقوى منها على المستوى الجماهيري وبالطبع فان الوضع المثالي هو اندماج جهود المقاطعة الحكومية مع حركة المقاطعة الشعبية. لكن ليس معنى ذلك ان تتخلى الجماهير عن المقاطعة في ظل احجام حكومي. فحركة المقاطعة على المستويات الشعبية مفيدة في حد ذاتها في رفع مستوى الوعي السياسي الجماهيري، حتى لو كانت نتائجها على المستوى الاقتصادي متواضعة. ولكن لماذا تحجم الحكومات العربية اصلا عن تبني سياسة مقاطعة تجارية واقتصادية ضد الولايات المتحدة؟ هذا السؤال الكبير طرحته ضمنا في القاهرة جمعية رجال الاعمال المصريين هذا الاسبوع، فقد تساءلت الجمعية في بيان صادر عنها عن «فشل العرب في استغلال المصالح الاقتصادية في الصراع العربي الاسرائيلي» قائلة: «كيف تمكن عدونا (اسرائيل) من استخدام مصالحه المحدودة الى اقصى درجة، في الوقت الذي فشلنا في استخدام اوراق مصالح الآخرين لدينا .. وهي كثيرة». ومن ثم يقترح بيان جمعية رجال الاعمال المصريين تدابير محددة على النحو التالي: ـ تحويل الارصدة العربية من البنوك الامريكية الى البنوك الاوروبية. ـ الامتناع عن ايداع ارصدة عربية جديدة لدى البنوك الامريكية. ـ وقف مشتريات الحكومات العربية من الولايات المتحدة بما في ذلك الاسلحة والطائرات المدنية والسلع الغذائية الاستراتيجية كالقمح. ان الهدف من هذه التدابير وامثالها كما يقول بيان الجمعية المصرية هو «اشعار الاقتصاد الامريكي بأنه يدفع ثمن تحيز بلاده الاعمى لاسرائيل». بكلمات اخرى يرى رجال الاعمال المصريون في تدابير اقتصادية يمكن ان تتبناها الحكومات العربية في اطار جماعي، سلاحا سياسيا ماضيا لمعاقبة الولايات المتحدة. وبهذا الموقف فان مجتمع رجال الاعمال المصريين لا يأتي ببدعة، فالولايات المتحدة نفسها على تعاقب اداراتها فرضت وتفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على عشرات الدول انطلاقا من اعتبارات سياسية صرفه ووصولا الى اهداف سياسية. ومن بين الدول التي طالها العقاب الاقتصادي والتجاري الامريكي دول عربية واسلامية، ومما ينبغي ان يجتذب الانتباه ان المقاطعة الاقتصادية والتجارية الامريكية ضد دول عربية واسلامية فرضت لاسباب تتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي، فقد فرضت المقاطعة على ايران مثلا بسبب دعمها لحزب الله اللبناني. وبعد .. فان نهج المقاطعة التجارية والاقتصادية ضد اسرائيل والدول والشركات التي تتعامل معها بحجم كبير ـ وفي مقدمتها الولايات المتحدة ـ هو من صميم اعمال جامعة الدول العربية، وكلنا نعلم ان «مكتب مقاطعة اسرائيل» انشيء كجهاز تابع للجامعة منذ خمسينيات القرن الماضي. وليس بوسع احد ـ جاهلا كان او مكابرا ـ ان يتشكك في النتائج السياسية التي احرزها مكتب المقاطعة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، عندما كان العمل العربي الجماعي على مستوى الدول في تلك الحقبة الناصرية في اوج عنفوانه. فالشركات الغربية العملاقة في كافة مجالاتها كانت في ذلك الحين ترتعب من القوائم السوداء المتجددة التي كان يصدرها مكتب المقاطعة بأسماء الشركات الاجنبية التي يثبت تعاملها مع اسرائيل، فيحظر بالتالي تعاملها مع الاسواق العربية بتجاوب كامل وجاد من الحكومات العربية قاطبة. ان المقاطعة الاقتصادية والتجارية سلاح سياسي بالدرجة الاولى، ولأنه كذلك فان استخدامه يتطلب ارادة سياسية على مستوى الحكومات، كما ان الاحجام عن استخدامه رغم ادراك جدواه، يعكس غيابا مؤسفا للارادة السياسية.