كان يؤمن بأن المفكر هو سفير الكلمات الجميلة التي عليها أن تواجه القبح .. وتزيل الملح .. كان يؤمن بأن عدالة توزيع الخبز يجب أن تسبق عدالة فرض القانون .. كان يؤمن بأن السلطة عادة سيئة يمارسها الانسان .. ولا يقدر على التخلص منها .. كان يؤمن بأن توقيع اتفاقيات الهدنة مستحيلة بين الجلاد والضحية .. بين الديناصور وزهرة برية .. بين الثروة وعرق الطبقة البروليتارية. لكن .. هنري كورييل لم يحتفظ بأفكاره لنفسه .. لم يتركها تأكل بعضها البعض .. ولم يلفها في سجائر التبغ السوداء التي كان يدخنها بشراهة .. ولم يضعها فوق رف مكتبته لتعاني من مرض العنوسة .. وهو مرض ثقافي شهير قبل أن يكون أزمة اجتماعية مزمنة .. لقد راح ذلك المفكر اليهودي الذي عاش في مصر سنوات طويلة يؤسس تنظيمات الحركة الشيوعية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية .. وهي فترة كانت في حالة فوران تحتك فيها الأفكار والتيارات والقوى والمصالح ببعضها البعض .. وتصدم أحيانا .. لتحدث من أثر ذلك شحنات من طاقة التجديد في عقول أجيال كانت جديدة في تلك الأيام .. ولا يمكن الشك في أن التنظيمات الشيوعية التي أسسها هنري كورييل كانت لا تقل قوة عن تنظيمات جماعة الاخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا .. وقد كان مطلوبا التخلص منهما معا.. وربما كان مثيرا للدهشة أن الرجلين رحلا عن دنيانا بالاغتيال.. قتل حسن البنا في القاهرة.. ووجد هنري كورييل جثة هامدة في مصعد بيته في باريس.. ولو كان العنف الرسمي البدني سببا مباشرا للتخلص من التنظيمات الدينية فإن فيروسات الشك وهواجس الريبة وعقدة الاتصال بأجهزة الأمن كانت أسبابا قوية لتفتت التنظيمات اليسارية. لقد روى هنري كورييل فيما نشر عنه: إن الشيوعيين المصريين كانوا مصابين بمرض نفسي وسياسي مثير للشفقة وهو أن كلا منهم كان يتصور نفسه مناضلا وحيدا في محيط من الرفاق المخبرين المدسوسين عليه.. إن هناك قصة شهيرة تؤكد ذلك.. لقد غادر عضو في تنظيم شيوعي سري شقة كان فيها رفاقه يواصلون اجتماعهم.. وراح يهبط السلالم في حذر تعود عليه.. لكن ما أن وصل الى باب البيت حتى لمح البوليس السياسي قادما للقبض على التنظيم.. ورغم أن فرصته في النجاة كانت مؤكدة ورغم أن نجاته كانت ضرورة للحفاظ على التنظيم ورعاية أعضائه وأسرهم إلا أنه خشي أن يتهم بأنه هو الذي وشى بهم فراح يصعد السلالم بسرعة ليقبض عليه هو أيضا.. وهكذا.. قضي على التنظيم بسهولة.. وبضربة واحدة.. وببذرة شيطانية خبيثة زرعت في تربة التيارات اليسارية ولم تثمر إلا التشهير والتفكك والايمان بالخرافات والحكايات الملفقة. لكن.. الحركة الشيوعية لم تنته في العالم لنفس السبب الساذج الذي أجهز عليها في مصر وجعلها عاجزة عن مد جسورها الى أجيال جديدة كانت قادرة أن تجدد دماءها وتمنحها الحيوية وتخلصها من متاعبها النفسية.. كانت الحركة الشيوعية في العالم في حاجة الى مدفعية رأسمالية ثقيلة للقضاء عليها.. وهي مدفعية كانت من طرز وعيارات مختلفة لتناسب الحرب التي تقاتل فيها.. الحرب الباردة. لقد وصفت الحرب الباردة بأنها «حرب ولا كل الحروب» فهي لم تشهد طلقة رصاص واحدة ساخنة بين طرفيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.. وإنما شهدت طلقات رصاص من نوع مختلف.. الدعاية.. التشهير.. اصطياد الجواسيس.. توسيع مناطق النفوذ.. استقطاب الدول الصغيرة.. استخدام الفيتو في الأمم المتحدة.. التصريحات السياسية النارية والمثيرة للأعصاب.. لكن.. كانت هناك دائما خبايا وخلايا خافية تحت السطح.. بدأت تكشف أوراقها.. ورقة.. ورقة.. ولعل أخطرها وأكثرها إثارة ما جاء في كتاب «الحرب الباردة الثقافية» الذي كتبته فرانسيس ستونر سوندرز ونشر في نيويورك قبل عامين وترجمه لحساب المجلس الأعلى للثقافة طلعت الشايب وقدمه الدكتور عاصم الدسوقي. وفرانسيس سوندرز باحثة وكاتبة قصة ومخرجة أفلام تسجيلية بريطانية تعيش في لندن.. ولدت في عام 1966 ودرست الأدب الانجليزي في جامعة اكسفورد التي تخرجت فيها عام 1987 في عام 1993 قرأت مقالا عن علاقة المخابرات المركزية الأمريكية بمدرسة نيويورك للفنون التشكيلية.. وتساءلت عن العلاقة بين الظلال والألوان وبين جواسيس المعاطف والخناجر؟.. بين الابداع الراقي وبين المؤامرات الخفية؟.. فراحت لمدة سنة كاملة تتابع القصة وتحفر في تربتها لتصل الى جذورها وأثمر بحثها عن برنامج تلفزيوني خرج للنور بعنوان «الأيدي الخفية ـ الفن والمخابرات المركزية» عرضته القناة الرابعة في بريطانيا.. وكان مادة أولية لكتابها.. ورغم نجاح البرنامج فإن مصيره مثل مصير غيره مما يبث على الهواء.. النسيان.. فكان أن قررت أن تكتب لبرنامجها الخلود وتحوله الى كتاب.. على أنها لم تكتف بما كان لديها وإنما واصلت البحث 3 سنوات أخرى عثرت خلالها على وثائق مذهلة راجعتها مع مسئولين وعملاء سابقين في المخابرات المركزية.. ثم كان هذا الكتاب الذي نشرته في بلادها أول مرة بعنوان «من الذي يدفع للزمار»؟ إن الجملة الأولى في الكتاب لوليم كونجريف: أعرف أن ذلك سر.. لأنهم يتهامسون به في كل مكان وهي جملة موحية.. فالكل كان يعرف أن كثيرا من الأدباء والفنانين والصحفيين في كافة أنحاء الدنيا كانوا يعملون في خدمة المخابرات المركزية.. لكن.. لا أحد كان يملك الدليل.. لا أحد كان يقدر على أن يعلق الجرس في رقبة سمكة القرش المتوحشة.. على أنه عندما سقط حائط برلين وسقطت معه الامبراطورية الشيوعية خرجت من تحت الركام والأنقاض حقائق مذهلة تصور أصحابها أنهم لن يحاسبوا عليها إلا يوم القيامة. لقد ولدت المخابرات المركزية في أعقاب تحطيم الأسطول الأمريكي في بيرل هاربور بهجمات الطيران الياباني في عام 1941 كان اسمها في البداية مكتب الخدمات الاستراتيجية وكانت مهمته هو تجميع كل ما يصل من معلومات الى أجهزة الاستخبارات المختلفة لتلافي التناقضات وليكون القرار مركزيا.. وكان أعضاء هذا المكتب من أبناء الصفوة الحاكمة.. وكان كل منهم يحمل حقيبة صغيرة بها مسدس وقنبلة يدوية وعملات ذهبية وحبة سينايد تقتله في غمضة عين.. أما شعاره فكان: «لا مكان للأخلاق.. كل شيء مباح» لكن.. ما أن انتهت الحرب حتى ألغى الرئيس الأمريكي وقتها هاري ترومان هذه المنظمة السرية الملوثة بالعمليات القذرة قائلا: إنه لا يريد شيئا يشبه الجستابو.. جهاز المخابرات الشرس في المانيا النازية. على أن عالم ما بعد الحرب الذي بدأ بهزيمة الفاشية سرعان ما أفرز صراعا جديدا بين الرأسمالية والشيوعية فعادت أمريكا لمنظمتها القذرة القديمة.. وخرجت للوجود وكالة المخابرات المركزية في يوليو 1947 ـ التي وصفت بالفيل الهائج الذي يدمر ساحة السياسة العالمية المعشبة ـ لتتولى قيادة أركان الحرب الباردة بكافة أسلحتها الدعائية والسرية والسياسية والثقافية.. لقد أصبح الكتاب والفيلم والأغنية والصحيفة والقصيدة ـ بكل ما فيها من رقي وسمو ـ أسلحة قتال.. ووسائل للتصفية الفكرية والعقلية.. وتحول المبدعون والمثقفون والرسامون والنحاتون والموسيقيون والمغنيون والزمارون والطبالون في تلك الأيام الى مقاتلين مرتزقة بالريشة واللون والقلم والكاميرا وديوان الشعر وخشبة المسرح.. وكان منهم للأسف أسماء ونجوم لامعة مؤثرة يمشي وراءها الناس كالمنومين بالسحر. وقد بدأت حرب المخابرات الثقافية عندما افتتح السوفييت مركزا ثقافيا في برلين الشرقية.. وكانت الرسالة السوفييتية عبر هذا المركز تصوير الولايات المتحدة كصحراء ثقافية.. مجرد دولة تعيش على مصانع اللبان وقيادة السيارات المتهورة والجريمة المنظمة.. وهو ما أزعج الأمريكيين فكان أن سارعوا بافتتاح مراكز ثقافية في مختلف بلاد العالم لتقديم صورة الحلم الأمريكي بمختلف ملامحها التي حاولت هوليود تصديرها عبر أفلامها.. صورة السيارة الكاديلاك وجوارب الفتيات القصيرة والهولاهوب وخلاطات الأطعمة وابتسامة سندوتش الهامبرجر على واجهات المحلات التي تبيعه.. صورة مجتمع الوفرة.. هادئ البال. وفي ديسمبر من العام نفسه تولت ادارة الخدمة السرية في وكالة المخابرات المركزية ـ وهي الادارة المسئولة عن الانقلابات والاغتيالات في الخارج ـ مسئولية النشاط الثقافي.. وحصلت على حق تمويل الكتب السياسية والمجلات الثقافية والشبكات التلفزيونية والصحف اليومية والمعارض الفنية دون تقديم مستندات تكشف دورها أو تدل على بصماتها.. وكانت تؤمن بأن الكذبة تسافر حول العالم بسرعة البرق بينما الحقيقة لا تزال تلبس نعليها بعد إن الدعاية البارعة يمكن أن تنسي الناس الحقيقة مهما كانت ساطعة.. إنها أشبه بفرض الظلام وقت الظهيرة.. انها حرب نفسية تشعل صراعا على عقول وارادات البشر.. وتفرض هذه الحرب مساحة شاسعة من السرية.. إن السرية لازمة لهذا العمل لزوم الرداء الكهنوتي والبخور المقدس للكنيسة أو لزوم الظلام وحبس الأنفاس لجلسات تحضير الأرواح. وحتى يكون الغطاء مناسبا.. شكلت المخابرات المركزية في مايو 1949 «اللجنة القومية من أجل أوروبا الحرة» لمواجهة النشاط السوفييتي في دول حلف وارسو التي خضعت لنفوذ جوزيف ستالين.. وكان بين أعضاء اللجنة: المخرج والمؤرخ السينمائي سيسيل دي ميل.. ونجم سينمائي متوسط الموهبة هو رونالد ريجان الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة مرتين فيما بعد.. والدكتور هنري كيسنجر أشهر من تولى وزارة الخارجية الأمريكية فيما بعد.. كان هؤلاء يراجعون المسرحيات التي ستعرض في المراكز الثقافية الأمريكية الخارجية.. كان عليهم أن يرفضوا مسرحية «يوليوس قيصر» «لوليم شكسبير» لأنها تمجد الديكتاتورية» وكان عليهم أن يرفضوا نشر رواية ليو تولستوي «الجثة الهامدة» لأنها توجه نقدا اجتماعيا لا يخدم الرأسمالية.. وكانوا وراء حرمان الشاعر التشيلي بابلو نبرودا من جائزة نوبل عام 1964. ولم يفز بها إلا في عام 1971 حين كان سفيرا في فرنسا لحكومة سلفادور الليندي الديمقراطية والتي انتهت باغتياله بواسطة عملاء المخابرات المركزية.. لكنهم تحمسوا لعرض مسرحية «الملك لير» لوليم شكسبير لأنها تكشف ضعف السلطة عندما تتنازل عن الثروة. وكانت هناك منظمة أخرى هي «منظمة الحرية الثقافية» التي كان يديرها رجل المخابرات مايكل جوسلسون وكان لها فروع في 35 دولة وقد مولت هذه المنظمة نشر أشهر المجلات الثقافية على الاطلاق.. وكان عددها 20 مجلة.. مثل «مونتري» و«نيوليدر» و«بارتيزان ريفو» و«ساينس أند فريدم» و«انكاونترا» كما أنها أقامت المعارض الفنية ومنحت الجوائز السخية.. والمذهل أن أبرز المفكرين الذين أثروا فينا كانوا كتابا ومحررين في هذه المجلات مثل أرنولد توينبي الذي يوصف بمؤرخ القرن العشرين.. وبرتراند رسل الفيلسوف البريطاني الذي عرف بأنه رسول الحرية.. والروائي الشهير أرنست هيمنجواي الذي كان الأكثر وضوحا.. فقد كان يعمل مراسلا في جبهات القتال بالتعاون مع أجهزة المخابرات العسكرية الغربية.. لكن رغم ذلك فإنه لم ينج من مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالية وتسجيل مكالماته التليفونية ولقاءاته الشخصية والغرامية.. وهو ما أصابه بالاكتئاب.. وكان الاكتئاب بداية طريقه الى الانتحار. وبجانب التمويل الخفي للمخابرات المركزية لعمليات غسيل المخ الثقافية كانت هناك مؤسسات حقيقية وليست وهمية تساهم في التمويل.. مثل مؤسسة فورد.. ومؤسسة روكفلر.. ومؤسسة كارنيجي بخلاف 170 مؤسسة أخرى.. وكانت مؤسسة فورد وحدها في نهاية الخمسينيات قد حققت أكثر من 3 بلايين دولار فائضا وكان كل ما تنفقه في مجالات «الدبلوماسية الثقافية» يخصم من الضرائب. وقد مولت وحدها نشر طبعات رخيصة من روايات جورج أورويل وهنري ميللر وهي روايات تواجه بضراوة الديكتاتورية الشيوعية.. وكان عائد كل منهما من بيع هذه الروايات المتواضعة القيمة لا يقل عن 10 ملايين دولار.. وهو رقم يغري لينين شخصيا بتغيير أفكاره على حد قول آلن دالاس مدير المخابرات المركزية في الخمسينيات.. وقد بقيت هذه المؤسسات التجارية والصناعية تشارك في تمويل أنشطة خارجية مثل الجمعيات الأهلية.. وجمعيات المجتمع المدني.. وفي الوقت الذي انهت فيه المخابرات المركزية سيطرتها على الأنشطة الثقافية والفنية والابداعية بسبب سقوط الامبراطورية السوفييتية التي كانت تصفها بامبراطورية الشر وجدناها تعيد الكرة مع ما تسميه إمبراطورية الشر الجديدة وهي التنظيمات والجماعات التي تصفها اليوم بالارهاب.. مع أنها في يوم من الأيام ـ أثناء تبنيها لجماعات الجهاد في أفغانستان ـ أنفقت ما يزيد على 500 مليون دولار على أنشطة دعائية ثقافية وصحفية وسياسية تروج للدفاع عن الاسلام والجهاد في سبيل الله وضد الكفار والملحدين والشيوعيين. لكن.. الشيوعية لم تسقط بالأنشطة الثقافية والفنية المضادة للاتحاد السوفييتي.. كان هناك في داخل الكيان السوفييتي ورم سرطاني سببه الديكتاتورية والفاشية وعمليات قمع المعارضين والمبدعين.. وقد راح هذا الورم يكبر.. ويكبر.. وينتقل من مكان الى مكان في الجسد المترامي الأطراف حتى سقط الجسد متهالكا.. وهي قصة أخرى تستحق الانتظار. ـ كاتب مصري