هل أثبت «الالكترون» فشله في عصر الثورة الالكترونية؟ يمكننا ان نقول الآن: نعم وبالفم المليان، بعد ان اصبحت محاولة انهاء معاملة بسيطة لدى بعض الدوائر الحكومية، كافية بأن تحيل نهار المرء بأكمله الى ضباب وظلال رمادية تقترب من السواد لو استمر طويلا لاختنق الانسان ومات كمدا. نتابع معكم رحلة تخليص اجراءات الاقامة لخادمة دفعنا الكثير لجلبها الى البلاد بإذن رسمي وتصريح شرعي، هذه الاجراءات التي تبدأ بالفحوصات الطبية في ادارة الطب الوقائي التابعة لوزارة الصحة وتنتهي في قسم الاقامة بادارة الهجرة والجنسية التابعة لوزارة الداخلية. ورحلتي ـ هذه تحديدا ـ تبدأ باستعدادات غير عادية.. ففي الليلة التي تسبق القيام بها يصيبني نوع من الاكتئاب أحاول ان أعالجه بما هو معروف بين الناس بأن أدعو الله في سري ملايين المرات أن تنفرج الازمة. ويستمر الحال كذلك حتى طلوع النهار وهنا أبادر بالاتصال بمن يعرفونني أستجديهم الدعوات المباركات بيوم غير عادي ولو أنجزت فيه ثلاثة أرباع المهمة التي لا ينجز ولو ربعها في العادة. أمام الأبواب أكرر الدعاء بالفرج وأن تمر الساعات داخل المبنى دون أن أخسر شيئا سواء دمي أو دموعي أو ابتسامتي، وألا أحمل ضغوطا مضاعفة علاوة على ما يحمله جميعنا من ضغوط الحياة ومتاعب العمل. وتبدأ الرحلة بطباعة الاوراق المطلوبة ثم دفع رسوم الفحص الطبي لدى شباك المحاسب ويكفي ان تجد طابورا مطولا لا تعرف أوله من آخره ووجوها متجهمة وموظفا يجلس خلف الشباك يصرخ في خلق الله حتى تعرف انك في المكان المطلوب وهناك عليك دفع قيمة الرسوم وفوقها درهمان لكل بطاقة هي عمولة البنك لكي تحصل على بطاقة الدرهم الالكتروني، وسامح الله من أطلق عليه هذه التسمية فمفهوم الالكترون ـ كما هو معروف ـ هو مرادف لسرعة الانجاز والآلية العالية في الاداء ولكن ما يحدث عندنا ومع درهمنا فإن المسمى الانسب له هو الدرهم الاستفزازي أو الدرهم الحجري، مع الاعتذار الشديد للعصر الحجري البدائي. والسبب ان هذا الجهاز على الدوام معطل، وموظف البنك الجالس خلفه لا يختلف كثيرا عنه، بل جل ما يستطيع فعله هو ادارة ارقام البنك للابلاغ عن العطل، ثم يضع خده على يديه أو على العكس ويخرج كل عصبيته على المراجعين. وان سألته عن الحل يقدم لك ثلاثة وعليك الاختيار، فإما الانتظار لأجل غير مسمى ريثما يتم اصلاح العطب الذي لحق بالجهاز أو تعال باكر أو اذهب الى البنك واشتر البطاقة من هناك. تختار الحل الاخير لتفاجأ هنا بنفس الحال وطابور مماثل وبموظف آخر يصرخ مطالبا طالبي البطاقة العجيبة داعيا اياهم الالتزام بالدور والتحلي بالصبر والهدوء وإلا فإنه سيوقف عملية البيع التي تكون في سوق السمك أكثر انضباطا ورقيا. تتحمل ثقل دم الموظف وقرفه وتبتسم في وجهه ـ رغما عنك ـ وتذهب ثانية الى ادارة الطب الوقائي أو تؤجلها الى اليوم التالي حفاظا على بقية من اعصابك ووقتك. تستلم شهادة اللياقة الصحية وتحمد الله انك قطعت شوطا كبيرا في انهاء الاجراءات وتدخل المرحلة الثانية وهي الاقامة. هناك تجد نفسك من جديد وجها لوجه مع الدرهم الالكتروني وتصطدم بنفس العطل وذات الطابور والوجوه وكذلك الموظف «القرفان» وحلوله الثلاثة التي يبدو انهم قد اتفقوا عليها وان اعترضت او اشتكيت جاءك الرد ان الحكومة هي المسئولة!! تمر بنفس الحالة وتدوخ الدوخات السبع او السبعين وتتمنى ان تخر راكعا ساجدا شاكرا الله وحامدا فضله على تمكنك من انجاز المعاملة وداعيا دعوات من الاعماق على هذا النظام ومتذكرا بالخير ايام الطوابع الخوالي والاختام والورق، فهي رغم كل شيء كانت احسن حالا. ولعنة الله على الالكترون.