الاعتياد جزء من الاقرار بالواقع .. حيث ان عرفات محاصر منذ اكثر من شهر، وحيث ان جنين اصبحت اطلالة ببرقة تهمد، وحيث ان الشهداء يتساقطون واحدا تلو الآخر، وحيث ان الاعلام، بدأ يتراجع .. ويتراجع، وحيث ان الاعتياد هو الاقرار بالواقع، فان ما حدث مع استمرار تقدم الآلة العسكرية «الاسرائيلية»، هو اعتياد على العرب ان يقروا بحدوثه! فقد حشدت الانتفاضة الثانية منذ انطلاقتها الشارع العربي ووحدته صفا حماسيا خلف «بالروح بالدم نفديك يا فلسطين» كما حشد الاعلام العربي كل طاقاته لينقل الحدث للناس، الذين باتوا يعرفون حقائق اكثر عما كانوا يعرفونه من قبل، وباتوا يدركون ماذا يريد عدوهم بالتحديد، فاليوم نابلس وأمس جنين وقبلهما رام الله وبعدهم قطاع غزة وربما يغامر شارون شمالا ليعود الى جنوب لبنان حيث لا تتوقف آلته المدمرة الا اذا تعطلت عن المسير كما صرح ذات غزو! لكن الاعلام العربي كما هو حال الاعلام الاجنبي بدأ يتراجع في تعامله مع الحدث في الاراضي المحتلة وبدأت بعض المحطات العربية تؤخر خبرا على شاكلة نسف منزل او سقوط شهيد الى المرتبة الثانية وتفضل عليه خبرا محليا او عالميا من نوعية شريط ابن لادن المزعوم الذي تم بثه اثناء تدمير مخيم جنين. ان هذا مؤشر خطير على تراجع الجرعة الحماسية لدى الاعلام العربي، ومؤشر اخطر على ادخال الناس في حلقة الاعتياد ليصبح امرا واقعا ان يكون عرفات محاصرا واكثر من مئتي شخص محاصرين في كنيسة المهد ومئات غيرهم جثثهم مدفونة تحت انقاض بيوتهم تنتظر دفنها بشكل كريم. الاعتياد جزء مهم من لعبة الشرير لانه يخفف فورة الرفض وحماس الغضب ويجعل من الممكن ان يبقى الوضع كما هو عليه تحقيقا لمكاسب سياسية توازي المكاسب العسكرية، وهذا بالتحديد ما رمى اليه «العدو الاسرائيلي» حينما تقصدت الدبابة الهوجاء تدمير اعمدة الهاتف وهرس السيارات المدنية وهدم جدران الابنية وسحق الاشجار وتخريب الارصفة وحفر الطرقات المعبدة ليعتاد الانسان الفلسطيني حالة الخراب وليعمل على اعادة الاعمار، او بمعنى ادق ليفاوض على بنيته التحتية وليس على اراض جديدة. اذن علينا ان نواجه ذلك اعلامياً بروح اكثر فاعلية وان يبقى الحدث الفلسطيني اولا والا يتراجع خبر عن فلسطين الى المرتبة الثانية، وان تتضامن جميع المحطات الفضائية العربية كما الحال مع الصحف او الاذاعات الى اذكاء روح الحماسة في نفوس الناس وتقديم الحقيقة لهم بالصوت والصورة ليكونوا داخل الحدث فاعلين ومنفعلين لان ما يحدث الآن هو اخطر مما حدث قبل، فقد كانت «اسرائيل» تقيم وزنا لمحيطها الجغرافي، لكنها اليوم لا تقيم وزنا لأحد، وعليه فهي تغزو وتدمر وتقتل وتشرد حتى تحقق اهدافها او حتى يرضخ العرب. واذا كنا شعبا يحب الاعتياد فان جملة «العدو الاسرائيلي» يجب الا تغيب عن وصف «اسرائيل» اعلاميا بل يجب الا ننسى ان الصهاينة قد اعطونا آلاف المبررات لنعتاد انهم « العدو الاسرائيلي»، وهذا ما يجب ان يتداوله الاعلام العربي، فهناك ستون سنة من الغطرسة تثبت ذلك.