في «النهار» اللبنانية كتب الصحفي علي هاشم سلسلة مقالات عن دولة الإمارات، بعضها نشره في نهاية الستينيات قبل أن تقوم هذه الدولة، وبعضها الآخر كتبه ودولة الاتحاد قائمة، بل وقطعت أشواطاً في الممارسة والثبات على النهج الوحدوي، وسارت عميقاً وكثيراً في دروب التطور والعمران والازدهار وفي كل شئونها. هذه الكتابات المتناثرة والتي تمثل عمرين جمعها صاحبها في كتاب اختار له عنوان «رحلة عمر» وقدمه كشهادة على هذه التجربة وكتأريخ لهذه الأرض وأهلها. إحدى المقالات التي كتبها كانت بعنوان «البحرين في الإمارات»، تحدث فيها عن أهل الخليج الذين يمثلون أسرة واحدة منذ قديم الزمان، قبل التعاون وقبل النفط، عندما كان راعي عُمان يرحل ليستقر في الكويت أو الإمارات أو البحرين ليعيش عقوداً من حياته أو كل عمره في بلده الآخر، وهكذا كان حال أهل الإمارات الذين استقر بعضهم أو عاش طويلاً في السعودية أو قطر. وكذلك أهل البحرين الذين جاءوا إلى الإمارات قبل قيام الدولة أو بعدها، وساهموا في نهضتها وتطورها وتقلدوا فيها مسئوليات ومناصب عديدة. بعضهم يذكره علي هاشم بالاسم: عدد كبير من شباب البحرين وفد إلى أبوظبي في نهاية الستينيات، كان منهم في تلك المرحلة: عبدالملك الحمر، عبدالرحيم محمود، محمد عبداللطيف، حسن وحمد الصباح، والدكتور علي حميدان، انصرف بعضهم في تلك المرحلة إلى التدريس. ويُعدد هاشم تطور وترقي هؤلاء في العمل: السيد الحمر مثلاً وصل بجده ونشاطه إلى منصب وكيل وزارة التربية، وعند إنشاء المصرف المركزي اختير حاكماً له، محمد عبداللطيف تسلم في البداية مسئولية العمل في الديوان الأميري مع السيدين أحمد خليفة السويدي ومحمد الحبروش، وبعد إعلان الدولة وإنشاء وزارة الخارجية عُين سفيراً. السيدان الصباح، أحدهما تسلم في البداية منصباً في وزارة الخارجية وكان مثال الموظف النشيط وبعد فترة استقال وعاد إلى البحرين حيث انصرف إلى الأعمال الحرة، أما حمد فقد تسلم جمارك أبوظبي. الدكتور علي حميدان انضم إلى الخارجية وتسلم يوماً رئاسة بعثة دولة الإمارات في الأمم المتحدة، عاد بعدها إلى أبوظبي وأشرف على تنظيم المحاضرات التي تقيمها الخارجية وتدعو إليها كبار الساسة والدبلوماسيين من عرب وأجانب وكان أخيراً سفيراً في دمشق حتى تقاعد وأقام في أبوظبي (بالمناسبة دكتور حميدان هو الذي كتب وقدم لنا المرجع الوحيد عن مسيرة المرحوم سيف بن غباش). ويكمل صاحب رحلة عمر حديثه عن بقية شباب البحرين: عبدالرحيم محمود لازم السيد أحمد خليفة السويدي في الخارجية وهو يلازمه الآن في المجمع الثقافي وهو حركة لا تهدأ. السيد أحمد العبيدلي عهد إليه بتحمل مسئولية مكتب أبوظبي في لندن وذلك قبل قيام الدولة، والذي تحول بعد الاتحاد إلى سفارة. ويذكر هاشم في نهاية موضوعه: لا بأس من إيراد اسم شخص من البحرين طيب وأصيل وإن لم يصل إلى منصب معروف هو السيد علي المنصور، أول موظف في دائرة العلاقات العامة في وزارة الإعلام ـ بطاقته الوظيفية في الدولة تحمل الرقم (3) ـ وما زال علي موظفاً في العلاقات العامة كما كان من عقدين من الزمن له مع كل صحفي زار الدولة علاقات وصداقات، فهو يبتسم دائماً يرحب دائماً، هذا قدره. بعد هذ الجيل المؤسس الذي جاء الى دولة الامارات قبل أن تكون أو في بداية تكوينها والذي ذكره علي هاشم في مقاله، جاءت مجموعة أخرى من أهلنا أهل البحرين وغيرهم، وساهموا في نهضة هذا الوطن وتطوره وتركزت مساهماتهم في التجارة والتعليم والصحافة، وأدوا أدواراً اجتماعية وثقافية وكانت لهم بصمات واضحة في صناعة الوعي. يذكر الواحد من هؤلاء الذين أثروا الفكر ومارسوا التنوير من خلال كتاباتهم وتواجدهم في المناشط المختلفة وتواصلهم مع القراء والمجتمع: حمدة خميس والدكتور محمد العسومي الذي تركنا وعاد إلى بحرينه بعد سنوات من الوفاء والعطاء والحب قدمها لهذا البلد، وكذلك الدكتور حسن مدن الذي يرحل عنا اليوم. ومن قرأ كلمات الإملاء والمؤسسات الثقافية عن مدن يشعر بمكانة هذا الإنسان الكاتب في قلوب هؤلاء، مكانة عزيزة لمثقف مخلص في زمن للأسف ضيّع وغيّب معنى الإخلاص ومفهوم العطاء. تشعر في هذه الوداعيات ان أكثر المتأثرين وجعاً بهذا الفراق هو حسن مدن، يريده ولا يريده في الوقت ذاته. إن الإمارات والشارقة هي بلده هي وطنه وأهله وشبابه وذكرياته، والبحرين هي وطنه الأول الذي يظل في القلب دائماً، فهي أول صورة وأول بيت وأول اسم وأول حلم سكنه وكبر معه، يعود إليه بعد هذه السنوات، بعد هذا التعب. يقول مدن عن عودته: غادرت وطني دون العشرين من عمري وأعود إليه وقد تجاوزت الأربعين. رحلة طويلة تستحق الاستراحة والكتابة. إنها عودة العاشق الذي مارس الصبر طويلاً. أهلنا في البحرين، أهلنا من كل مكان الذين تسكنون وطنكم بيننا لكم الحب، لكم الشكر