بعد مرور نحو سبعة أشهر على أحداث الحادي عشر من سبتمبر نجد أن من بين ما أفرزته القاء الضوء على الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في العقلية الأمريكية، ليس فقط على مستوى الحوار بين المثقفين ولكن في اطار دوائر صنع القرار، لما لهذه المسألة من أهمية في صياغة الخطاب العربي الموجه نحو الآخر غير العربي بشكل عام الذي تطلب المراجعة بعد أحداث سبتمبر. ومما لاشك فيه أن اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط اليهودية لعبوا دورا كبيرا في تشويه معالم صورة العرب والمسلمين عبر عقود طويلة من التراكم المعرفي المغلوط عن العروبة والاسلام، أضف الى ذلك التقصير العربي في مواجهة الحملة الصهيونية التي استهدفت رفع درجة استعداء الغرب والأمريكيين للعرب والمسلمين!! وفي تقديري أن مسئولية هذا التقصير تتوزع على أكثر من طرف عربي واسلامي يمكن حصرهم في ثلاثة أطراف: 1 ـ الجاليات العربية والاسلامية في الولايات المتحدة أو ما يمكن تسميته باللوبي العربي والاسلامي. 2 ـ المؤسسات الرسمية المتمثلة في البعثات الدبلوماسية للدول العربية والاسلامية المعتمدة في واشنطن. 3 ـ الاعلام العربي ودوره الدعائي وتأثيره في اتجاهات الرأي العام خارج حدود الوطن العربي. الصورة النمطية وبالطبع لن نستطيع في هذه المساحة أن نتناول أوجه التقصير ومدى مسئولية الأطراف المشار اليها، ونكتفي ببيان مسئولية الاعلام العربي الرسمي والخاص القطري (بضم القاف) والجماعي في رسم الصورة القومية في الذهنية الغربية وعلى وجه التحديد الأمريكية، وهو الأمر الذي نعني به كيفية مخاطبة الآخر. بعبارة أخرى ما هي اللغة المناسبة للتأثير في اتجاهات الرأي العام غير العربي بالشكل الذي من المفترض أن يخدم القضايا العربية ومن ثم يزيل التشويه في الصورة الذهنية للعرب والمسلمين؟ في البداية يجدر الاعتراف بأن الخطاب الاعلامي العربي (غير الجماعي) حتى وقت قريب في معظم الدول العربية ان لم يكن كلها، كان لا يعنيه الآخر بقدر ما يهتم بتوجيه رسائله الاعلامية بالأساس الى الرأي العام المحلي أو الاقليمي، وعليه كان الخطاب الاعلامي معنيا بمخاطبة النفس ليدور في دائرة واحدة لا تتعدى المتلقي العربي على أكثر تقدير. وربما يعد هذا منطقيا ومقبولا في اطار ما يعرف بالاعلام الأرضي قبل حدوث التطور الهائل في وسائل الاتصال وثورة عالمية في عملية تدفق الأخبار والمعلومات ضمن ما يسمى الآن بالاعلام الرقمي، وساعد على هذا التطور الانتشار الكبير للأقمار الاصطناعية في الفضاء الى حد القول إننا نعيش في عصر السماوات المفتوحة حيث مئات القنوات التليفزيونية والاذاعية الفضائية وشبكة المعلومات العالمية الانترنت، ومن هنا لم يعد الاسلوب التقليدي في الخطاب الاعلامي ملائما للثورة المعلوماتية التي أضحت سمة مميزة للألفية الثالثة. مما تقدم كان من الضروري حدوث تغيير في لغة مخاطبة الآخر بعد أن ظهر عنصر التنافس بين الوسائل الاعلامية المختلفة في كيفية تقديم المعلومات والخبر بأسرع وقت وبطريقة يغلب عليها طابع الابهار بشقيه التقني والحرفي. معنى ذلك أن التحرك الاعلامي أضحى مكلفا بتقديم الحقيقة ومعنيا بتشكيل الرأي العام (القومي)، ومسئولا عن تغيير الصورة القومية المنطبعة في عقول الآخرين الذين ربطوا بين العربي والمسلم وظاهرة الارهاب، لدرجة أن الولايات المتحدة رأت أن المناهج الدينية في دور التعليم العربية والاسلامية مسئولة عن تفريخ الكوادر الارهابية وطلبت من بعض الدول العربية تغيير هذه المناهج، مما يعني بجلاء أن المفهوم الغربي عن الاسلام أصبح مشوها نتيجة خضوعه لعملية استبدال للحقائق منذ زمن طويل كشفتها تداعيات أحداث سبتمبر، وهكذا أصبح من الأهمية بمكان أن يحدث تغيير في العقلية الأمريكية ويتناول الصورة الذهنية للعرب والمسلمين بشكل صحيح. والسؤال الأهم هو: كيف يتم هذا التغيير؟ في اعتقادي أن أي تغيير لن يتم إلا بعد اعادة النظر في استراتيجية الاعلام الجماعي العربي، وهذه مسألة لا تتعلق بجانب المنافسة البينية بين قنوات الاعلام العربي فقط. ولكن المقصود هو أن يبنى العمل الاعلامي على تخطيط علمي يدرس ملامح الصورة الحالية في ذهنية الآخر ويطرح تساؤلات عن الأسباب التي أدت الى تشكيلها على هذا النحو المشوه وهي أن العربي «همجي صاحب سلوكيات غير متحضرة حسب المفاهيم الغربية، اتكالي بطبعه يعتمد على الأفكار الخرافية، تتحكم فيه غرائزه وينساق وراء النزعات المتطرفة التي تؤهله لكي يقبل الارهاب وسيلة للتعامل مع الآخرين»!! بهذا المعنى رسخ في العقلية الأمريكية - تحديدا - أن العربي أو المسلم نموذج من البشر غير قابل للتحاور العقلي وأنه ينطلق في الأغلب من عقلية تآمرية!! لذا يجب أخذ الحذر والحيطة منه!! نقول.. للأسف هذه هي صورة العربي المسلم في عقليتهم قبل 11 سبتمبر 2001، وساعد على رسوخ هذه الصورة أن المجتمع الأمريكي لم يكن يهتم بغير الأمريكيين مما ساهم بوضوح في اتهام الرأي العام الأمريكي للعرب والمسلمين بأنهم وراء أحداث نيويورك وواشنطن لأنه يأتي في سياق منطقي متفق مع الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في العقلية الأمريكية. الخطاب الاعلامي ومن الطبيعي أن تغيير هذه الصورة ليس سهلا ولن يحصل بين عشية وضحاها لأنها تشكلت خلال سنوات الانغلاق الاعلامي وغياب عملية التأثير العربي في الفكر الأوروبي والأمريكي، وتركت آنذاك الساحة خاوية للحركة الصهيونية تشوه الصورة العربية وتفرضها على العقلية الغربية. وفي تصوري أن التنسيق بين قنوات الاتصال في وسائل الاعلام العربية مهم جدا لتفعيل أي استراتيجية تستهدف تحسين وتصحيح الصورة العربية في المفهوم الغربي. ومن البديهيات أن يحدث تغيير في لغة الخطاب في الاعلام العربي عن طريق دراسة اتجاهات ونفسية الرأي العام في أوروبا وأمريكا، ثم فتح قنوات للحوار تقبل الرأي الآخر يتم فيها اعادة صياغة المفاهيم المغايرة للواقع من خلال طرح الحجج التاريخية والأدلة الحضارية، لتصبح صورة العربي المسلم «أنه ديمقراطي يقبل الحوار مع الآخر ويتفاعل معه بأسلوب متحضر حتى ولو اختلف معه، يعتمد المنهج العقلي المستمد من قيم دينه» وفيما يتعلق بالارهاب يجب توضيح أنه ظاهرة موجودة في كل المجتمعات وعبر كل الأزمان ولا ترتبط بجنس أو لغة أو دين. فإذا كان الأمريكيون قد اتهموا المسلمين بأنهم وراء اعتداءات سبتمبر فالواقع يؤكد أنه حتى الآن لم تثبت الأدلة أن الذين كانوا وراء هذه الاعتداءات عرب أو مسلمون لأن الطائرات كانت تحمل على متنها عشرات الجنسيات ومختلف الأديان. إذن لماذا جرى التركيز على هذا وتم استبعاد ذاك؟! وحتى اذا سلمنا جدلا بأن المتورطين عرب أو مسلمون فإنهم لا يعبرون إلا عن أنفسهم ولا يمثلون كل العرب أو المسلمين؟! إن دور الاعلام العربي حتى يؤثر يجب ألا يكون مركزيا أو خاضعا للأطر الشكلية التقليدية، حيث أن القنوات الفضائية العربية أصبحت منتشرة الآن ويتم استقبالها في أوروبا وأمريكا عبر الأقمار الاصطناعية، ومن الضروري أن تخصص هذه القنوات جانبا من ارسالها وبرامجها للحديث الى الآخر بلغته التي يفهمها في شكل ندوات ومؤتمرات ولقاءات ومناظرات وغيرها مما يعرف بالفورمات الاعلامية. إذا كان الحوار مطلوبا في هذه المرحلة فكفانا التحاور مع أنفسنا، ومن المهم أن يشارك الآخر في أي حوار موجه الى خارج حدود الوطن، وأعتقد أنه بدون هذه الوسيلة لن نتمكن من التأثير في اتجاهات الرأي العام (الآخر). ـ كاتب واعلامي مصري