هل تكون الاحداث الاخيرة في فلسطين بداية هزيمة شارون؟ هذا ما يمكن التنبؤ به في ظل اندفاع شارون نحو المناطق الفلسطينية كما سبق واندفع، نحو بيروت عام 1982. فهو شن حربه الاخيرة عدوانا على مجتمع صغير يناضل منذ عشرات السنين من اجل حقوقه ووجوده. والمجتمع الصغير الذي واجه جيش الاحتلال لا يستطيع الموافقة على شروط شارون التي تنطلق من حق اسرائيل في جزء كبير من اراضي الضفة الغربية. وتنطلق من حق اسرائيل في القدس الشرقية واستمرار رعاية حركة الاستيطان (التي طالما رعاها شارون). ان هذه الشروط هي تغييب للواقع، وهي الاساس في استمرار النضال الفلسطيني من اجل دحر الاحتلال. ان تفادي شارون للحل السياسي وادارة ظهره للأسباب التاريخية والسياسية التي ادت الى العنف الفلسطيني هو الاساس الذي سيساهم في استمرار العنف. ان فشل شارون في فرض ارادته السياسية على الفلسطينيين كما فرضت الولايات المتحدة ارادتها على اليابان وألمانيا في الحرب العالمية الثانية، هو جوهر فشل شارون وذلك لانه لا يمتلك رؤية سياسية كما سبق للولايات المتحدة ان امتلكت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي هذا سوف يواجه اليوم وغدا نفس التحديات التي واجهته قبل غزوه. لنأخذ المثل الايرلندي الذي يقف امامنا اليوم كمثل من امثلة الصراع. فالايرلنديون فجروا القطارات والابنية. وفي لندن فجروا شارع داوننج في محاولة لقتل وزراء في الحكومة البريطانية، والايرلنديون قتلوا شخصيات برلمانية بريطانية وفجروا وسط المدنيين واشاعوا الارهاب في كل مكان من بريطانيا. ولكن الحكومة البريطانية التي ردت على هذا العنف لم تدمر بناية من خمسة طوابق لوجود قناص، ولم تدمر احياء كاملة لوجود خلية للجيش الايرلندي. بل تفادت الحكومة البريطانية سياسة العقوبات الجماعية، وذلك لمعرفتها بأن العقوبات الجماعية تصب لصالح الجيش الايرلندي وتضمن استمرار العنف وتطوير وسائله الى ابعد الحدود. والجدير بالتنويه ان بريطانيا لم تعلن ان مدينة بوسطن الامريكية هي الاخرى مركز لتمويل الارهاب، وذلك بصفتها مركزا رئيسيا للسلاح الذي كانت ترسله الجالية الايرلندية الامريكية المؤيدة للجيش الجمهوري. لقد قاومت بريطانيا العنف الايرلندي بقوة وحزم من جهة، ولكنها قدمت حلا سياسيا واضحا ينصف الايرلنديين الداعين للمشاركة والحقوق في كافة المسائل، كما ينصف القواعد الشعبية الايرلندية التي تبحث عن الارتقاء والمستقبل والكرامة الوطنية. بل قدمت بريطانيا للايرلنديين الامن والحرية التي كانوا قد حرموا منها. في فلسطين يأبى شارون تقديم حل سياسي عادل يعالج جذور العنف، وهو يمعن في مواقفه الاستيطانية والتوسعية حتى بعد هجومه المدان اخلاقيا وعالميا على المناطق الفلسطينية. ان تفادي شارون الحل الذي يقي فلسطين واسرائيل والمنطقة ويلات مزيد من التصعيد هو الجوهر الذي سوف يساهم في هزيمته السياسية. في كل حرب هناك اهداف سياسية، وفي كل معركة هناك اهداف نهائية تسعى لعلاج المشكلة التي ادت الى الحرب في المصاف الاول، وهذا ما تفتقر اليه اسرائيل اليوم، مما سيعرضها ويعرض المنطقة لمزيد من الهزات. ماذا نتوقع من جراء غياب الحل؟ ان يضمد المجتمع الفلسطيني جراحه كما سبق وفعل في تاريخه المقاوم، وان يبدأ عملية تقييم لما حصل بما يضمن ان تعيد المقاومة ترتيب أولوياتها. من الدروس المتوقعة الآن ان تنزل المقاومة تحت الارض في الضفة الغربية، وان تتكون من عناصر لا تعرفها اسرائيل ولا تتحدث بالعلن. المرحلة المقبلة سوف تشهد اعادة ترتيب للصراع وادخال وسائل جديدة بما يضمن الاستمرار بالمقاومة. سوف يبقى السؤال امام اسرائيل: متى تقدم حلا سياسيا يقيم دولة فلسطينية مستقلة خالية من المستوطنات ولديها سيادة حقيقية على الارض وعاصمتها القدس؟ بدون هذا سوف تتكثف عناصر الموقف لصالح عاصفة جديدة لا تقل عمقا عن العاصفة التي مرت. ان القضية الفلسطينية قضية لا يمكن ايقاف اثرها الا عبر انصافها، هذا ما يقوله التاريخ وهذا ما تؤكده وقائع الايام الاخيرة. ـ أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت