من المؤكد ان الدعوات العربية الى خفض معدل الانتاج النفطي العربي الى النصف كخطوة عقابية ضد الولايات المتحدة، لن تلقى استجابة. ولكن هل هناك اصلا ما يمكن ان يلقى اي استجابة عربية على سبيل معاقبة الثنائي الامريكي الاسرائيلي الذي يتعامل مع الامة العربية والاسلامية كعدو استراتيجي أبدي؟ في معارضتها قطع الامدادات النفطية كسلاح سياسي ـ اقتصادي تقول دول النفط العربية ان ضرر هذا الاجراء اكبر من نفعه.. فالتدفقات المالية الكبيرة من عائدات التصدير النفطي تمكن حكومات الدول النفطية من مواصلة تقديم المساعدات المالية للفلسطينيين، او هكذا تقول هذه الحكومات. ولست في معرض تأييد او تفنيد هذا المنطق، ولكن كمواطن عربي عادي لا أملك الا ان اتساءل: اذا كانت الحكومات العربية لا ترى اي جدوى عقابية من قطع النفط ومقاطعة المنتجات الصناعية والخدمية الامريكية ومظاهرات الشارع وقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل وسحب الارصدة من البنوك الامريكية الخ.. فماذا يتبقى من اجراءات عقابية عربية يمكن ان تتخذ على المستوى الحكومي لحمل ارييل شارون على التفكير مرتين قبل ان يندفع في شن حملة عسكرية تالية ضد الشعب الفلسطيني وارغام جورج بوش على التفكير ألف مرة قبل ان يعلن ان شارون «رجل سلام» والحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين «دفاع عن النفس».. وان ياسر عرفات «لا يمثل شعبه» وفصائل المقاومة الفلسطينية منظمات ارهابية اجرامية؟ على مستوى البيانات الاعلامية الرسمية لن تجد دولة عربية واحدة تشذ عن تأييد الانتفاضة الفلسطينية وشجب العدوان الاسرائيلي وانتقاد السياسة الامريكية. لكن كل خطوة على الصعيد التطبيقي سواء بالقول او بالفعل، سرا او علنا هي النقيض الكامل لبلاغة البيانات الى درجة ان المسلك الحكومي العربي يبدو وكأنه امتداد للتحرك الامريكي الاسرائيلي على الصعيد الدولي. قبيل الهجمة الاسرائيلية الشاملة على المدن والقرى الفلسطينية في اراضي الضفة الغربية، حوكم مواطنون عرب في دول عربية بتهمة «جمع تبرعات للانتفاضة الفلسطينية». واذا كان الفوران الشعبي في الشارع العربي جعل من هذه «التهمة» شرفا لأصحابها، فإن الفوران الشعبي نفسه جوبه بقمع عنيد. لقد كان ابرز شعار في مظاهرات العواصم العربية المطالبة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل كحد ادنى للتعبير عن الغضب العربي على المستوى الرسمي. لكن المنطق الذرائعي الحكومي كان جاهزا. فقطع العلاقات، هكذا يقول المنطق الحكومي، ليس من صالح الفلسطينيين.. لأنه يوفر لاسرائيل مبررا شرعيا لتجاوز كل الخطوط الحمراء الدولية، وبالتالي تصعيد حملتها الاستئصالية ضد الشعب الفلسطيني. يقال هذا وكأن «جنين» لم تكن.. او كأن ارييل شارون يبدي احتراما للعلاقات الدبلوماسية مع بعض العرب، كأن يأمر قواته بمراعاة القواعد الحضارية للحروب. وهكذا تتوالى حلقات المنطق الذرائعي: فمقاطعة السلع والخدمات الامريكية تضر باقتصادنا الوطني اكثر مما تضر بالشركات الامريكية، وسحب الودائع العربية من البنوك الامريكية مستحيل لان هذه البنوك لن تتجاوب. ويبقى التساؤل: ماذا تعتزم الحكومات العربية اذن ان تفعل لتبرير وجودها على دست الحكم والوطن العربي كله دون استثناء يواجه حالة اعتداء استراتيجي في صميم مصيره؟ فمن يعتقد ان مخطط اليمين الاسرائيلي «التوراتي» يتوقف عند حد اعادة احتلال الضفة الغربية لنهر الاردن ولا يستهدف الضفة الشرقية للالتقاء مع المخطط الامريكي لاعادة استعمار العراق بصورة مستحدثة.. يكون اما غافلا جاهلا او عميلا مكلفا مدفوع الاجر. الحرب هي الخيار الاستراتيجي لليمين الاسرائيلي «التوراتي».. ففي عهده اسقطت اسرائيل نهائيا خيار التسوية السياسية السلمية. وبإصرار النظام الرسمي العربي في وجه هذه الحقيقة الثابتة، على ان «السلام» هو «خيارنا الاستراتيجي» فإنه، بكلمات اخرى يعني الاستسلام.