خلال الأشهر السبعة الماضية كنت أحاول مطالعة كل ما يقع تحت يدي من مقالات وتحليلات تتعلق بأحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطون لعلي أجد دليلا واحدا، يمكن نشره، يؤكد المخطط لهذا الحدث والمنفذ له أيضا، لأن وجود بعض العرب والمسلمين على تلك الطائرات التي دمرت البرجين في نيويورك وجزءا من مبنى البنتاجون في واشنطن، لا يكفي دليلا لاتهام هؤلاء العرب والمسلمين بالذات بالقيام بهذا العمل، لأن تلك الطائرات كان عليها ركاب من جنسيات مختلفة، ويمكن اتخاذ الاجراء الجنائي نفسه الذي اتخذته تحقيقات السلطات الأمريكية باتهامهم نفس الاتهامات. اضافة الى أنه حتى هذه اللحظة لم تقدم سلطات التحقيق في الولايات المتحدة دليلا ماديا واحدا يدل ولو بالاشتباه الى هؤلاء الذين اتهمتهم بالقيام بهذا العمل، ومن ثم بدء تلك الحرب التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء في أفغانستان قتلى وجرحى، ومئات من مواطنينا العرب والمسلمين داخل سجون الولايات المتحدة وحليفاتها في أوروبا دون حقوق تذكر، اضافة الى الشبهات التي أصبحت تطارد أياً منا بسبب تلك الأحداث! لذلك يبقى السؤال: من «هو» الذي قام بالتخطيط والتنفيذ الفعلي لهذه الأحداث المهولة التي هزت العالم وكتبت تاريخا جديدا، جعلت هناك «قبل وبعد» 11 سبتمبر؟ تفكير مسبق كل ما قيل حتى الآن الكثير منه مجرد تكهنات، والقليل منه يحاول جادا اجلاء الحقيقة أو على الأقل التوصل الى نتائج معقولة، حتى لا ننتظر سنوات أو عقودا طويلة لنكتشف أن كل ما قيل وكتب حول تلك الأحداث لا علاقة له بالواقع، كما هو الحال بالنسبة لأحداث وقعت في الماضي وتبين أن جميع الاتهامات فيها كانت باطلة، أو هناك مؤسسات كانت وراء التعمية التي حدثت حتى لا يتم اكتشاف الحقيقة، تحقيقا لأغراض خاصة تتعلق تارة بمصالح دولة أو عدة دول معينة، وتارة أخرى تتعلق بتحقيق مطامح بعض الأشخاص، وتاريخ الولايات المتحدة تحديدا ملئ بتلك الأحداث التي تبين بطلان الاتهامات فيها عندما حان وقت اعلان «الوثائق السرية» التي تتعلق بها. على الرغم من قلة التحليلات الجادة حول أحداث 11 سبتمبر، الا أن بعضها يلفت النظر، بعيدا عن تطبيق نظرية «المؤامرة»، لأن أصحابها دون أن يشيروا الى متهم محدد يطرحون أسئلة، والكثير من تلك الأسئلة لا تجد اجابة الا في ما تطرحه تلك التحليلات. بعد أن نشرت «نيو يوركر» الامريكية مقالا للكاتب «الأمريكي» أيضا «نيكولاس ليمان» يذكرنا بان السياسة الحالية التي تنتهجها الولايات المتحدة في العالم من خلال تعاملها مع كل القضايا من منطلق «الانفرادية» والانعزالية، واعتبار أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة التي يجب على الولايات المتحدة أن تتخذها لتأمين أمنها وأمن مصالحها في العالم، هذا المقال ذكرنا بأن هذه السياسة كانت موجودة فكرا على الورق، وتم تطبيق جزء منها خلال فترة رئاسة «جورج بوش» الأب، على يدي «ديك تشيني» نائب الرئيس الحالي «جورج بوش» الابن ووزير دفاع الرئيس الأب، بمشاركة «بول وولفوتز» نائب وزير الدفاع الحالي. كان تشيني ومعه وولفوتز يؤكدان، خلال رئاسة جورج بوش الأب، أن على الولايات المتحدة أن تترك السياسة الدفاعية في علاقاتها مع غيرها من دول العالم، وان تتخذ سياسة هجومية تكون الحرب أداتها الأولى مهما تكلف ذلك من مال ورجال، والهدف من تلك السياسية في رأيهما: أن السياسة الهجومية بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي تمنع ظهور أي قوة كبرى أخرى تنافس الولايات المتحدة في هيمنتها على العالم. لتنفيذ هذه السياسة كان لابد من البحث عن «عدو» يحل محل الشيوعية عدو الولايات المتحدة والغرب القديم، لكن وصول الرئيس بيل كلينتون الى البيت الأبيض أوقف هذا التوجه السياسي «مؤقتا» باتخاذه سياسة اقل عنفا تجاه الآخرين، واقل حسما في القضايا الكبرى التي قد تؤثر على مصالح الشركاء الآخرين من القوى الغربية التي يجب أن تظل الى جانب الولايات المتحدة في بحثها عن العدو الجديد، وتساعد أيضا على التوسع شرقا لاحكام الحصار على روسيا الاتحادية، حتى لا تعود الى لعب دور القوة المنافسة. الخاسر الرابح جاءت أحداث 11 سبتمبر لتقدم لطاقم الحكم في البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج بوش الابن الفرصة الذهبية للعودة الى تنفيذ سياسة الماضي، خاصة أن ديك تشيني يحتل منصبا أكثر تأثيرا من منصبه السابق، فهو الآن «نائب الرئيس»، وأي رئيس، رئيس منتخب بطلوع الروح، وحتى وقوع أحداث نيويورك وواشنطون كانت تخيم على صورته سحابة «الرئيس الضعيف» الذي لا حول له ولا قوة. من هنا يمكن أن نعتبر أن أحداث 11 سبتمبر كانت نقطة تحول حقيقية في سياسة البيت الأبيض تجاه العالم كله، قبل أن تكون نقطة تحول في التاريخ كما يحاول أن يصفها البعض، وجدت فيها المجموعة العسكرية المحيطة بالرئيس جورج بوش الابن الفرصة لتقديمه من جديد الى الشعب الأمريكي على انه «الرئيس الأكثر حزما وحسما» فيما يتعلق بأمن الولايات المتحدة، وأيضا للعودة الى الأفكار القديمة التي لم يتم تطبيقها كاملة خلال فترة رئاسة الأب لعدم وجود عدو واضح، ويمكن الآن تطبيقها بكل هدوء ودون أدنى معارضة رسمية أو شعبية، فالحزب الديمقراطي لن يجرؤ على معارضة أي سياسة مؤثرة في الأمن الوطني الأمريكي وأمن المصالح الأمريكية، أي أمن مصالح الشركات الكبرى التي تعتبر الممول الحقيقي للطريق الى الرئاسة. أما الشعب الأمريكي فهو شعب محكوم باعلام خاضع في النهاية للمصالح الخاصة لأصحابه وأصحاب الشركات الممولة عبر الاعلانات التي لا يمكن أن يستغني عنها اي اعلام خاص. ودون أن نطرح السؤال الذي لا اجابة له، لأن الولايات المتحدة ومؤسساتها الرسمية لن تشفي غليلنا وتقدم لنا اجابة عن هذا السؤال على الرغم من الوقت الذي مر حتى الآن، وكم الضحايا الذي سقط حتى هذه اللحظة، فاننا يمكن أن نطرح السؤال بشكل معكوس، أي نقدم اجابات لأسئلة غير موجودة، فتخلق الاجابة سؤالها. لنصل الى تلك الأسئلة لا بد لنا من الحديث أولا عن الرابح والخاسر في هذه الأحداث، لأن الرابح قد تكون له يد في وقوعها، أو على الأقل لن يكون متشوقا لكشف من يقف وراءها حتى يحقق أقصى مراده من هذه الفرصة التاريخية التي سنحت له ليعمل دون رقيب، وتحت مظلة من الخوف الذي يرهب من كانوا يقفون في طريق تنفيذ تلك السياسات في الماضي. أول الرابحين من أحداث 11 سبتمبر هم «المجموعة العسكرية» المحيطة بالرئيس جورج بوش الابن، ومجرد وجود وزير الدفاع السابق ديك تشيني في منصبه الجديد كنائب للرئيس حتى لحظة وقوع تلك الأحداث كانت صورته مهتزة أمام ناخبيه، سيكون كافيا للعودة الى فكر هذه المجموعة لتحصل على قسط أكبر من التأثير على القرار الرئاسي في مجال السياسة الخارجية. وقد كان، فقد كانت أولى نتائج أحداث 11 سبتمبر عثور البيت الأبيض على عدو هو «الارهاب»، ودون تحديد له في البداية، ثم تم تحديده نتيجة لحاجة الدبلوماسية المنفذة لتك السياسة، فتم اتخاذ «الاسلام المتطرف»، عدوا لأنه يمثل الطرف الأضعف في صفوف القوى العالمية الموجودة، ويمثل العدو الأكثر قبولا عند الغالبية العظمى من الشعوب الأمريكية، وأقول الشعوب لأن الولايات المتحدة في رأيي ليست شعبا واحدا، ولا أمة واحدة كما يحاول البعض أن يصورها، وانما مكونة من شعوب تنتمي الى بقاع الأرض جميعا، وفيها عينات من كل الأمم، ومن هذا المنطلق يمكن السيطرة على الشارع الأمريكي من خلال اشاعة الخوف في كل جزء منه بمجرد الحديث عن «الجنسية» القديمة لهؤلاء المواطنين، أو ديانتهم ووضعهم تحت رعب الابعاد ما لم يلتزموا بسياسة سكان البيت الأبيض، كما يحدث بالفعل مع الأمريكيين من أصول عربية أو يعتنقون الاسلام، وهم أمريكيون أصبحوا ضحايا للولايات المتحدة نفسها. أيضا اتخاذ العرب والمسلمين عدوا يمكنه أن يقرب باقي الغرب من هذه النظرية الأمريكية، فيجد البيت الأبيض تفهما أكثر لسياسته الخارجية، وبشكل خاص في أوروبا الغربية. العدو الأسهل على اثر اكتشاف «العدو» الجديد تمكنت المجموعة العسكرية من تمرير ميزانية عسكرية تفوق ميزانيات المصروفات العسكرية السابقة للولايات المتحدة، بل أن الميزانية الجديدة يقارنها بعض المحللين بمصروفات عسكرية لدول أخرى تملك جيوشا كبيرة، فيقولون أن ميزانيات وزارة الدفاع الأمريكية تكاد تفوق ميزانية أكبر خمسة وعشرين جيشا في العالم، رقم رهيب مجرد ذكره يثير الرعب في أي عدو محتمل. هذه الميزانية كانت مرفقة بقرارات أخرى أعادت لبعض المؤسسات الأمنية الأمريكية بعض ما فقدته في الماضي، مثل العودة الى استخدام الاغتيال السياسي كوسيلة لتحييد بعض الأعداء المحتملين، والعودة الى زمن الانقلابات العسكرية للتخلص من بعض المنغصين لتلك السياسة. تمت اضافة مخترعات جديدة الى هذه السياسة الخارجية، وهذا الاختراع الجديد يتمثل في استخدام «الكذب» كنوع من تشويه الحقائق، أو التشويش على من يحاول أن يكشف الدوافع الحقيقية من وراء أي سياسة أمريكية خارجية، وهي في معظمها سياسات يمكن ادانتها دوليا، لأنها تتنافى مع القانون الدولي والشرعية الدولية. المجموعة العسكرية في تحقيقها لأغراضها بعد 11 سبتمبر فتحت الباب واسعا لتحقيق أغراض «لوبي» آخر مكون من أصحاب الشركات الكبرى التي ترى في الانفاق العسكري الكعكة التي يمكن تقسيمها لتحقيق مكاسب أكثر وبجهد أقل، ولا مانع من مشاركة الجالس في البيت الأبيض في جزء من الكعكة، والا ما حدث في قضية «انرون» (!). نأتي الى الثالث المستفيد من أحداث 11 سبتمبر، فنجد أنه شركات البترول والطاقة التي خططت من قبل للاستفادة من مناطق جديدة تمثل احتياطيا كبيرا، ولكن مكان وجوده وطريقة نقله الى الغرب كانا عائقا أمام تنفيذ هذه الخطط، نشير هنا الى الاكتشافات البترولية في المنطقة المحيطة لبحر قزوين، وربما هذا يفسر السبب في اختيار الطالبان وبن لادن وأفغانستان كأول مسرح للحرب «الأمريكية» ضد الارهاب، فقد فتحت هذه الحرب الطريق الى امكانية اخراج هذا البترول، ونقله عبر أنابيب تمر عبر أفغانستان الى المحيط الهندي في أمان. ولا يجب أن ننسى أن عائلة الرئيس جورج بوش مستفيدة بشكل مباشر من نتائج حرب أفغانستان والعمليات المستقبلية لاستخراج بترول بحر قزوين. لو حللنا الأحداث اللاحقة لتدمير الطالبان، لوجدنا أن هناك مستفيدا كبيرا من أحداث سبتمبر، وان بدت استفادته مغلفة بأحداث أخرى، هذا المستفيد هو «اسرائيل» أو «المشروع الصهيوني» برمته، و«ارييل شارون» ليس سوى أداة في تنفيذ هذا المخطط بالقضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية التي بدأت تسير بخطى ثابتة نحو اقامة الدولة الفلسطينية، وأصبحت حقيقة واقعة في اللغة السياسية الدولية. انتهزت اسرائيل الأوضاع الناجمة عن أحداث 11 سبتمبر وأحاطت ياسر عرفات والفلسطينيين بشبهات «الارهاب»، لتحصل على «رخصة» الولايات المتحدة والغرب في القضاء عليه وتدمير البنية التحتية للدولة الفلسطينية، ونفي ما تستطيع من كوادرها بتخييرهم بين السجن أو المنفى، وقتل ما تستطيع من شعبها، لاثارة الرعب فيمن تبقى منهم ليغادروا ما تبقى لهم من ارض، على خطى أجدادهم وآبائهم الذين رحلوا في الماضي هربا من مذابح دير ياسين وصبرا وشاتيلا، وغيرها من المذابح التي جرت على الأرض الفلسطينية. الخاسرون من أحداث 11 سبتمبر، هم أولا من راحوا ضحية الطائرات التي تم اختطافها، وضحايا الأبراج أثناء سقوطها، يضاف اليهم بالطبع الفلسطينيون الذين سمحت تلك الأحداث لاسرائيل بذبحهم علنا وأمام أعين العالم دون أن يتحرك أحد لانقاذهم، ولا أشقاؤهم العرب مدوا لهم يد العون. بعد أن تعرفنا على المستفيدين والخاسرين، يبقى السؤال الذي ترفض الولايات المتحدة الاجابة عنه: ترى من «هو» المخطط والمنفذ لأحداث 11 سبتمبر؟ ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا