لكل مؤسسة أو دائرة سيرة ذاتية لموظفيها والعاملين فيها، سواء من هم في أعلى السلم الاداري أو في القاع، وكل فرد فيه يمثل الوجه أو الواجهة، لها وخاصة اذا أمضى فيها فترة ليست بالقصيرة ثم خرج منها باحثاً عن وظيفة أخرى منقذة له من سياسة التهميش التي تلاحق بعض الأفراد الذين يتم تكريمهم ضمن الموظفين المتميزين أو المثاليين فيها. وبمراجعة سريعة لتلك السيرة الذاتية الخفية أحياناً نرى ان هؤلاء لا يبقون في وظائفهم، فسرعان ما يتعرضون لضغوط إدارية من قبل مؤسساتهم أو إغراءات وظيفية من الخارج تجذبهم للعمل في مكان آخر وبأسلوب أفضل وأرقى من سابقتها. وأما من لم يجد له وسيلة للهروب الإرادي من هذا الوضع فإن عليه ان يلعق العلقم حتى يأتيه من الله مخرج للتقاعد عند آخر المطاف، فمن لهؤلاء الذين لا يجدون من مؤسساتهم يداً حانية تحافظ عليهم بعد استلامهم لشهادات الجودة والتميز والإبداع من قبل مسئوليهم الذين ما إن يروا طلبات استقالاتهم لبوا النداء بأسرع مما يتصوره الموظف، فهل لهذه الحالة من تفسير أو وجهة نظر مقنعة تحفظ للمؤسسة ماء وجهها الإداري؟! والأغرب من ذلك عندما يتم تهميش هؤلاء الذين يثنى عليهم وعلى أعمالهم في ذات المؤسسة ويتم تحويلهم بقرارات إدارية إلى أعمال لا تتناسب مع قدراتهم ولا مؤهلاتهم العلمية، التي رفعت في يوم ما من شأنهم في المجتمع العام قبل الإدارة التي انتسبوا للعمل فيها وقضوا فيها زهرة شبابهم حتى إذا بلغوا أشدهم ونضجوا علماً وعطاء، قامت مؤسساتهم بإكرامهم ومن ثم وضعهم في زوايا النسيان عقوبة واضحة على تميزهم عن الآخرين. فيمضي أحدهم ساعات طويلة لا يشغله إلا الملل والتثاؤب وذلك إمعاناً لوصوله الى حالة من التوتر والعصبية ليصدر منه فعل ما يخالف جزءاً من القوانين الإدارية التي لا تطبق إلا على هؤلاء إمعاناً في إذلالهم وإجبارهم لتطبيق المثل القائل «اللي عقله في راسه يعرف خلاصه» تاركين ما قدموا وراء ظهورهم لكي يبقى ذكرى وحسرة وأسفاً على الماضي الإداري المشرف بشهادة من صمت الجميع عن الحديث خشية التهميش المضاعف. وقد يحدث هذا الأمر في مؤسسات ترفع لوائح الاستفادة من الطاقات الخلاقة من الناحية النظرية، فما أن يصل هذا العنصر الى مقدمة الصفوف، يفاجأ بقرار يخلصه ويرميه إلى الخلف بلا حس ولا خبر، فتسود في ذلك الفعل والمكان علامات الاستفهام والتعجب ويردف ذلك جمل اعتراضية وهمسات أخفى من دبيب النمل، ترى ما ذنب هذا الموظف لكي ينال جزاء سنمار لأنه كان من العاملين المخلصين في مؤسسات تضيق ذرعاً من صفة العمل المضاف إليه نكهة خالصة من الاخلاص فتستبدل بمن يغض الطرف عن السيئة، وأحياناً يقلبها حسنة يمتدح بها كل أفعال المخطئين؟