عرس لعروبة فلسطين يقيمه اخواننا داخل الخط الأخضر على مدار الساعة، ودون توقف، ورغم أنف سطوة الاحتلال الصهيوني لأكثر من نصف قرن، في ملحمة نضالية تتجلى في فعلهم اليومي البسيط والمذهل، حيث تنتصر الحضارة على العنصرية، والحق على غاصبيه، في مواجهات الحياة التي تكتسب مضامين ومعاني تشف عن انسانية العربي الفلسطيني المسكون بسؤال الخلود، وجدلية الصمود امام توهمات الأسطورة الصهيونية، بقدر ما يفضح خواءها وان تحلت بأيقونات الحداثة والديمقراطية، لتقف عارية في قرى الجليل ويافا وعكا وحيفا، مجسدة حقيقة كون اسرائيل مجرد «مافيا» على شكل دولة مصطنعة، مصيرها الى تحلل وزوال. عرس فلسطيني عربي، يشمخ سرادقه منتصباً من تحت انقاض نكبة 1948، واغتصاب العصابات الصهيونية لفلسطين، في ظل تواطؤ أمريكي بريطاني، وبدعم الامبراطورية الغاربة شمسها، والامبراطورية الوليدة الطامحة، وفي اجواء عجز وفساد وتعفن لنظم الحكم العربية وقتها إلا أنها لم تصل لقاع العجز والفساد مثلما الان، فلم تتحل بهذا القدر من التبلد وتلك القدرة على القمع، لتجفيف منابع الغضب ومشاعر الانتصار للكرامة العربية. عرس عربي يحتضنه اخواننا في الخط الاخضر أو من نطلق عليهم عرب 48، ومن تعرفهم بعض وسائل إعلامنا العربية الفاقدة لعقلها بأنهم عرب اسرائيل، وهو المصطلح الذي صكه الاعلام الصهيوني والغربي، ضمن المحاولات الممنهجة لطمس ومسخ هويتهم، وسرقة انتصارهم وتقزيمهم بأنهم مجرد أقلية عربية في دولة اسرائيل تدين بالولاء لمشروعها الصهيوني. لكن ما سر عرس الجليل وانتصار الهوية العربية وتجذر قوميتها في عقول المئة وخمسين الف فلسطيني، الذين نجوا من محرقة ومجازر نكبة ضياع فلسطين عام 1948، وبقوا فوق اطلال منازلهم، وعلى أراضيهم المغتصبة وكيف لم تسرق منهم «الوثائق الاسرائيلية.. من جوازات سفر...» هويتهم العربية... وكيف تحول المئة وخمسون ألف فلسطيني الى مليون ومئة ألف عربي يخوضون حرب تحرير حقيقية لم تشهد لا الألفية الثانية ولا الثالثة مثيلا لها؟ ربما يندهش كثيرون لهذا الحماس لعرب 48، ويكتفي آخرون من محترفي استخدام المقولات الجاهزة بالتقليل من مغزى الظاهرة أو يجتريء البعض على إلصاق تهمة «التطبيع» بهم، لكن كل هذه الترهات لا تنال من عظمة تجذر وترسخ عروبة عرب 48 والحاق الهزيمة الحضارية بالمشروع الصهيوني على الأرض، دون جعجعات أو تهويمات نظرية. من هؤلاء الذين يجسدون قدرة عرب 48 الاستثنائية، على المستوى الثقافي الشاعران محمود درويش وسميح القاسم، والروائي الراحل اميل حبيبي، والشاعر والسياسي توفيق زياد، وعلى المستوى السياسي فكرياً ونضالياً، الدراوشة وأحمد الطيبي والشيخ رائد صلاح والمفكر عزمي بشارة، وعلى مستوى الابداع الفني المخرج ميشيل خليفي صاحب الفيلم الملغز المشحون بالبشارة والمستشرف لأفق الانتفاضة وانتصارها، ومن الصحفيين الراحلة أميرة حسن، أول من وطأت قدماها القاهرة عام 1987 ابان الانتفاضة الأولى، لتنقل وجهاً لم يألفه الاعلام العربي، لعرب 1948، تتسلح بكل مفردات الاعلام الدولي، وتخوض نضالاً من الداخل، في مواجهة لحظية دائمة مع اسطورة العدو، وتقهره بهويتها غير عابئة بترسانة ارهابه وهي تقول كغيرها من ابناء عكا هازئة من تلك التهديدات التي ألفت التعايش معها: «يا خوف عكا من موج البحر».. اي ماذا يضير عكا التي تحتضن البحر من موجه؟! اما ميشيل خليفي ابن الناصرة، مثلما هو عزمي بشارة، فقد قدم فيلمه «عرس الجليل» كسيمفونية سينمائية تستحضر عظمة ونضارة التراث الفلسطيني، وحيويته وانتصاره على عصابات جيش الاحتلال المفتقر لأي جذور حضارية والخاوي انسانياً. ومن خلال قصة بسيطة لمختار قرية فلسطيني، يحلم بإقامة عرس يتحاكى به الجليل لابنه الأكبر، ويدخل في مفاوضات مع سلطة الاحتلال التي تفرض حظر التجول، للموافقة على اقامة العرس، تنتهي باقامته في حضور قادة الجيش الاسرائيلي بالمنطقة للعرس، في حين يرفض الشقيق الأصغر للمختار عرساً يقام تحت الاحتلال، وينخرط مع الشبان للتخطيط لعملية فدائية لم تتم، لكن العرس أقيم ولاذ جنرالات اسرائيل بالفرار تحت ضغط فقدان الوعي والدوار الذي أطاح بزميلتهم المجندة التي لم تحتمل كل هذا الثراء الحضاري وطقوس الاحتفال العربي، فيما اندلعت شرارة المقاومة. باختصار النموذج الذي قدمه عرب 48، واخرهم عزمي بشارة الذي هزم شكلانية الحداثة الصهيونية وفضح عنصريتها ويبشر بانتصار حقيقي، لعروبة فلسطين، يقدم لنا دليلاً اضافياً على ان اسرائيل اسطورة عنصرية يمكن الحاق الهزيمة بها تاريخياً، بدون الحديث عن حتمية، بل بتمسك بالارادة وتسلح بالهوية لأن الهزيمة تبدأ دائماً من الداخل وكذلك الانتصار.