جلست وحيدا، بعيدا عن الأصدقاء، كي أتصفح الكتاب الذي أعده الصديق عبدالإله عبدالقادر عن الفائزين بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للدورة السابعة 2000-2001، والكتاب صادر عن مؤسسة العويس في ما يزيد على مئتين وخمسين صفحة لم أجد بها خطأ مطبعيا أو لغويا يلفت العين. وتأملت طويلا الدراسات التي أعدها عبدالإله عبدالقادر عن قاسم حداد وزكريا تامر ومحمد البساطي ومحسن الموسوي وعبدالوهاب المسيري. وهم النجوم الفائزة في الدورة الأخيرة. وكالعادة، أعجبني الجهد الذي قام به عبدالإله، اتصل بكل الفائزين، وأخذ منهم ما استطاعوا تقديمه عن أعمالهم، ومقالات أو شهادات كتبها عنهم غيرهم، واجتمع له من ذلك مادة ضخمة متناثرة بلا نظام، استطاع بمهارة أن يحيلها الى دراسات متسقة كاشفة عن الانجاز المتميز الذي أنجزه كل واحد منهم، يستوي في ذلك الشاعر الحداثي الذي يصعب الكتابة عن تجربته الملتبسة المتشابكة العصية على الفهم العجول، أو كاتب القصة القصيرة التي تتميز برمزيتها التي تتراوح بين حدود الاستعارة والتمثيل الكنائي، عابثة، ساخرة، مستفزة القارئ بأسئلتها المضمرة التي لا نهاية لها، وقل الأمر نفسه عن روائي مثل محمد البساطي استطاع أن يعيد اكتشاف عالم القرية، صانعا من اكتشافاته أفقا مغايرا من الابداع المتميز بخصوصيته، الابداع الذي يجعل من عالم القرية فضاء لألوان تستحق التأمل في الصراع الانساني الذي لا يهدأ والعلاقات الانسانية التي لا تعرف الركون الى المألوف. أما محسن الموسوي وعبدالوهاب المسيري فكل منهما عالم متميز في ذاته، وكل منهما مغاير للآخر كل المغايرة، كلاهما بدأ من دراسة الأدب الانجليزي والإبحار في الأدب المقارن، لكن المسيري سرعان ما هجر دراسة الأدب الى دراسة الصهيونية، وتفرغ ثلاثين عاما للعمل في دراساتها الى أن أنجز موسوعته الباهرة عنها. ويمكن للباحثين المختصين أن يقولوا ما يشاءون عن هذه الموسوعة بمجلداتها العديدة وصفحاتها التي تصل الى آلاف كثيرة، سواء بالايجاب أو بالسلب، لكن مهما قالوا عنها فستظل الموسوعة نفسها علامة على إنجاز باحث أخلص لهدفه، وتنسك هاجرا تخصصه الأصلي بكل مغرياته لينجز ما رآه هو أكثر أهمية لثقافة وطنه العربي في هذه المرحلة التاريخية الحرجة التي يمر بها هذا الوطن. ورغم اختلافي شخصيا مع عبدالوهاب المسيري في رؤيته الفكرية التي ينطلق منها في تنظيراته، أو في دعوته الى ما يطلق عليه اسم «حداثة اسلامية»، أو في حرصه على الإلحاح على ما يسميه الإطار المرجعي الاسلامي والتمسح بمناسبة ومن غير مناسبة، لكن الجهد الذي بذله، والاخلاص الذي تميز به في عمله، والصبر الذي تكشف عنه إنجازه، والموسوعية التي تميزت بها كتاباته، والحماسة التي تقترب من اليقين، كلها علامات على باحث جدير بالاحترام، نختلف معه حقا، لكن اختلافنا معه لا يمنعنا من احترامه وتقديره والاستماع الى ما يقوله، أو قراءة ما يكتبه، لأن عنده ما يفيد، ويقدم ما يبعث على الحوار والتأمل والافادة من الاختلاف الخلاق. وفي كل مرحلة من مراحل الحوار والتأمل والإفادة لا ينقطع الاحترام لرجل بدأ عمله الموسوعي سنة 1972 فأنجز «موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية» التي نشرتها مؤسسة الأهرام القاهرية سنة 1975، وهي العمل الذي دفعه الى اعداد المزيد من المواد لتحديث الموسوعة، واستمر الاعداد سنوات وسنوات، واحتاج الاعداد الى تفرغ كامل منذ سنة 1989 الى أن صدرت الطبعة الأولى من الموسوعة سنة، وسرعان ما أعيد طباعتها، وسوف تصدر طبعة أخيرة جديدة لها بعد أشهر معدودة عن دار الشروق التي يستحق ابراهيم المعلم - صاحبها والمشرف عليها مع أخيه عادل المعلم - التهنئة على اصدارها. ولكن عبدالوهاب المسيري ليس له هذه الموسوعة وحدها، فله العديد من الدراسات التي لم تأخذ حقها من اهتمام المثقفين العرب ومناقشاتهم، خصوصا ما يتصل منها بالعنصرية والصهيونية وهجرة اليهود السوفييت وأسرار العقل الصهيوني، والصهيونية والنازية، والحركات والجمعيات السرية في العالم، وأشكال التحيز، الغريب أنني توقفت عند المقتطفات التي نقلها عبدالإله عبدالقادر عن موسوعة المسيري فلم أجد مقتطفا واحدا من دراسة لباحث مرموق، أو باحث مستقص عن الموسوعة. بالطبع هناك كلمات تقدير من محمد حسنين هيكل وصلاح منتصر وجمال الغيطاني وأحمد رجب ووجيه أبوذكري وأحمد يوسف القرعي وغيرهم. وانتقل من المسيري الى الموسوي، محسن جاسم علي المولود في العام نفسه الذي ولدت فيه، العام 1944، ولكني سبقت الى الميلاد بأشهر معدودة، وعرفته للمرة الأولى في بغداد، بعد أن قرأت كتابه «الوقوع في دائرة السحر» وهو عن تأثير ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الانجليزي. وأذكر أنني قرأت هذا الكتاب فور صدوره سنة 1982، ودفعني إعجابي به الى متابعة صاحبه الذي أصبح صديقا حميما الى اليوم. ومحسن ناقد غزير الانتاج، لم يمنعه عمله الذي أصبح لسنوات في ادارة الشئون الثقافية عن الكتابة ومواصلة البحث، خصوصا في ألف ليلة وليلة. واذا كانت موسوعة الصهيونية هي مفخرة المسيري فدراسات محسن الموسوي عن ألف ليلة وليلة هي انجازه الذي يزهو به بين الباحثين ويجعل له مكانة متميزة وسطهم. وكانت البداية بالطبع أطروحة الدكتوراه التي حصل عليها من جامعة دالهوزي الكندية سنة 1978 عن ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الانجليزي. وهي البداية التي فتحت شهيته عند نشرها مترجمة سنة 1982، خصوصا بعد حماسة الاستقبال لها، الى المضي في الطريق نفسه، فنشر كتاب «ثارات شهرزاد» عن فن السرد العربي الحديث عن دار الآداب البيروتية سنة 1992، كما نشر كتابه «مجتمع ألف ليلة وليلة» الذي هو قراءة في الملفوظ الشهرزادي ومقارباته الفكرية والاجتماعية، وصدر عن دار الشروق القاهرية في العام نفسه الذي صدر كتابه «سرديات العصر العربي الوسيط» عن دار الآداب البيروتية. وقد حاول محسن الموسوي الخروج من دائرة سحر ألف ليلة وليلة، فكتب تولدات النص، وعن أسئلة الثقافة، وعن نزعة الحداثة في القصة العراقية، وعن عصر الرواية، وعن الرواية بعد محفوظ، ولكنه لم ينج تماما من سحر ألف ليلة، فدائرة القص هي الدائرة التي تجذبه اليها ليستغرق في تأمل عوالم السرد التي تنطوي عليها، ويبدو أن عدوى شهرزاد انتقلت اليه من أخيه الذي شاركه محبة الحكي الذي برعت فيه شهرزاد، فكتب روايات أربع فيما أعرف، أولاها «العقدة» التي نشرت في القاهرة سنة 1978، وثانيتها «درب الزعفران» التي نشرها سنة 1989، وثالثتها «أوتار القصب»، وأخيرا «دون سائر الناس» التي أرجو أن تصدر قريبا. والتي عاناها قبله - وأكثر منه - شقيقه السيد عزيز جاسم، ولا أعرف ما الذي يؤخر محسن عن كتابة عذابه في بغداد الى اليوم، لعله العذاب النفسي الداخلي الذي يتفجر قاهرا حتى رغبة الكتابة عن ذكرياته المريرة الدامية؟! ومن يدري؟! ربما ينجح محسن الموسوي في كتابة رواية متميزة فعلا، لو كتب عن تجاربه واستطاع ترويض ذكرياته المريرة، فما قرأته له من كتابة روائية الى اليوم لم يقنعني به روائيا، فظل في عيني ناقدا متميزا، خصوصا في مجال السرد الذي خبره وأفاد فيه من أسرار معرفة شهرزاد. أما التميز الابداعي فهو مجال قاسم حداد وزكريا تامر ومحمد البساطي في هذه الدورة. أما قاسم المولود سنة 1948 في البحرين، ولم يكمل حتى تعليمه الثانوي فقد تفوق على العشرات الذين حصلوا على الدكتوراه بإبداعه الذي تفجر في داخله، ودفعه الى تكوين نفسه بنفسه، كما دفعه الى أن يحفر في الصخر اسمه ضمن أبرز أبناء جيل السبعينيات بأعماله المتتابعة، ابتداء من البشارة وخروج رأس الحسين من المدن الخائنة، مرورا بديوان قلب الحب الذي كتبه مع دواوين أخرى أثناء السنوات التي قضاها في السجن، وانتهاء بدواوين عزلة الملكات ونقد الأمل وعلاج المسافة وله حصة من الولع، والشعر جحيم قاسم حداد وجنته على السواء، بدأه تفعيليا، وانتهت به الممارسة الى الهجرة من التفعيلية الى قصيدة النثر، لكن ظلت قصيدة النثر التي يكتبها محافظة على نوع خاص بها من الايقاعات. وزكريا تامر يشبه قاسم حداد الذي لم يكمل تعليمه وانغمس في الحياة التي علمته، ولكن زكريا تامر مولود قبل قاسم بسنوات عديدة، تحديدا سنة 1931، واضطر الى ترك المدرسة سنة 1944، قبل أن يولد قاسم بأربع سنوات، وعمل حدادا، ولم يفارق الحدادة الى غيرها من المهن اليدوية من عام 1944 الى عام 1960، ولكن هذا الحداد استطاع أن يطرق الصلابة الخرساء للكلمات فانبجست كتابات فريدة الطراز، أثمرت مجموعات «صهيل الجواد الأبيض» و«ربيع في الرماد» و«الرعد» و«دمشق الحرائق» و«النمور في اليوم العاشر» و«نداء نوح» وغيرها. وقد أدهشتنا مجموعته القصصية «دمشق الحرائق» التي قرأناها فور صدورها سنة 1973 فكانت فتحا جديدا قادنا الى روائع «النمور في اليوم العاشر» التي صدرت 1978، فعرفنا في كتابة زكريا تامر موازيا قصصيا لقصائد محمد الماغوظ، وكان كلاهما علامتنا المضيئة طوال السبعينيات والثمانينيات، بل ما بعد ذلك، وظل زكريا تامر نموذجا فريدا للكاتب الذي يؤسس لرمزية القصة القصيرة التي تدنو من الشعر، لكنها لا تفارق قط لهيب النار التي تتلظى بالاحتجاج السياسي والتمرد الاجتماعي الذي دفعه في النهاية الى الهجرة واختيار الحياة في المنفى. وإذا كان محمد البساطي المولود سنة 1937 أكمل تعليمه، وتخرج من كلية التجارة، وعمل مديرا عاما بالجهاز المركزي للمحاسبات، فإن خبرته المحاسبية انتقلت الى القص، وجعلته يبرع في حساب الكلمات، ومن ثم اختيار التركيز والايجاز والاقتصاد في الكتابة، فتميزت أعماله بكثافتها التي توازي اهتمامها بالمهمشين الذين تتبعتهم عينا الروائي ما بين المدينة والقرية، فكانت النتيجة الى الآن ست مجموعات قصصية وثماني روايات جعلت من محمد البساطي واحدا من أبرز كتاب الستينيات الذين صنعوا للقصة المصرية مجدها بعد نجيب محفوظ وفتحي غانم ويوسف إدريس. هؤلاء هم الفائزون بجوائز العويس في دورتها السابعة، لكن ينبغي أن أذكر معهم فائزا لا يذكر عمله أحد بما يستحقه من تقدير واجب، أعني عبدالإله عبدالقادر الذي كتب عن هؤلاء الفائزين الكتاب القيم الذي استمتعت بقراءته حقا، كما استمتعت بقراءة أغلب الكتب التي سبق أن أصدرها عبدالإله عن الفائزين في الدورات السابقة، وهي كتب تكشف عن دارس جدير بالتحية والتهنئة على هذه الكتب التي أصدرها عن الفائزين، والتي جعلته يفوز بتقدير كل من طالعها وخبر ما بذله فيها من جهد.