يتعين الا يغيب لحظة عن الفكر المستقبلي العربي، ان اسرائيل لن تتورع مجددا عن تنفيذ خطتها السياسية المبيتة لترحيل بعض أو كل الفلسطينيين من أرض الوطن، الى الدول العربية المجاورة، وربما استراليا وكندا ودول أخرى، واذا كان الرئيس حسني مبارك قد تناول هذه القضية الخطيرة الشائكة في آخر حديث أدلى به للتليفزيون الاسرائيلي، فلابد وان لديه من المعلومات مايؤكد مخاوفه، خاصة وان نبراته الواضحة ومضامين عباراته، الحازمة، تشي بأن مصر لن تقف مكتوفة اليدين اذا ماغامرت اسرائيل بترحيل الفلسطينيين بعدما تجاوز عددهم خمسة ملايين لاجئ يعيشون في الشتات والمنافي اثر نكبة 1948 ثم نكسة 1967. ومن هنا نحسب أن المواجهة العسكرية خيار مصر الثابت والوحيد لدرء هذا الخطر الداهم الذي يستهدف العودة الى ممارسة التفريغ العرقي تباعا في فلسطين من العنصر العربي حتى تكون وطنا خالصا لليهود، بعد تهيئة الظروف الاقليمية والمتغيرات الدولية لخلق وطن أو أوطان بديلة للفلسطينيين. المطلوب اذن قدر عالٍ من الادراك للمسئولية القومية المصيرية عبر استدعاء هذه القضية الملغومة للبحث وسبر الاغوار دون ابطاء، يتساوى في ذلك الحكومات العربية ومؤسساتها المتخصصة، ومنظمات المجتمع المدني واحزابه واعلامه، فمما لا شك فيه ان التوقيت بات ملائما الآن لاسرائيل حتى تعيد فتح ملف ترحيل الفلسطينيين و.. لعدة اعتبارات موضوعية، بينها النجاح الكاسح لعملية الاجتياح العسكري الاسرائيلي لمناطق السلطة الفلسطينية، دون رد فعل مواز أو رادع فلسطينيا وعربيا، وتحت سمع وبصر أمريكا وسكوتها المريب على حين يحدد شارون التوقيت الملائم لتقويض البنية التحتية الفلسطينية ونهاية العد التنازلي للمجازر والدماء والاذلال واعتقال زهاء ستة آلاف شاب يمثلون القلب النابض للنضال الفلسطيني الجسور ضد الاحتلال الاسرائيلي، الأمر الذي يمثل الفرصة الذهبية الثمينة لعملية ترحيل الفلسطينيين، خاصة وان حكومة شارون لا تتمتع بتأييد الاسرائيليين ودعمهم المطلق فحسب، وانما لانها تتمتع أيضا بمناصرة زهاء 90 نائبا في الكنيست. بل ان شارون واثق من استمرار حكومته حتى تنتهي مدتها في أكتوبر عام 2003، وربما النجاح كذلك في الانتخابات القادمة ممثلا لحزب الليكود، بما يعني الاستمرار في منصبه حتى عام 2008، فلماذا استبعاد الزهو والخيلاء كحافز لانجاز شارون لعملية الترحيل، بينما هذه القضية الشغل الشاغل لليمين التوارتي الصهيوني، ولا تتورع صحف هذا التيار عن تأجيج الحديث حول امكانية أو مشروعية الترحيل، بل ان اسرائيل لجأت مؤخرا الى خيار الترحيل كبالون اختبار كحل لمشكلة الفلسطينيين المحتجزين في كنيسة المهد، وكذا ترحيل النائب مروان البرغوثي الى خارج فلسطين بعد تعذيبه وغيرهم كثير من الفلسطينيين غير المرغوب فيهم بعد وصمهم بأختام المنبوذين، وها هو المجلس الأمني الاسرائيلي يتداول بشأن ترحيل ياسر عرفات الى غزة أو خارج فلسطين! باختصار ووضوح لا لبس فيه، فإن حكومة شارون تخطط مرحليا لقصر مساحة وسكان السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، وعبر توالي ارتكاب المجازر في مدن وقرى الضفة الغربية على غرار (ديرياسين) سابقا و(جنين) لاحقا، سوف يضطر الفلسطينيون الى الهرب فزعا الى دول الجوار، وعندئذ تكتمل فصول خطة الترحيل عبر ضم الضفة الغربية الى الأردن في اطار صيغة كونفدرالية سبق وطرحها كثير من السياسيين الاسرائيليين. صحيح ان الأردن أغلقت حدودها وجسورها مع فلسطين كاجراء وقائي من خطط الترحيل الاسرائيلي، وربما كانت تلك هي الاجراءات نفسها التي اتخذتها مصر في هذا الصدد، لكن يظل المطلوب أكثر من ذلك وأشمل وأجدى، بداية بالرصد والدراسة والتقييم لمخطط الترحيل أو (الترانسفير) الصهيوني، ايذانا بوضع المخطط العربي الدفاعي أو الوقائي، سواء عبر سد الثغرات التي تستهدف الجبهة العربية والفلسطينية بالضعف والاستكانة، أو باعلان (مانفستو) عربي يحذر اسرائيل ويتوعدها بالردع. فهل كثير على العرب وهم يواجهون هذا الخطر المدلهم الذي يهدد أمنهم القومي في الصميم، احياء صيغة القيادة العربية المشتركة، خاصة بعد أن أكدت اسرائيل أن السلام ليس خيارها الاستراتيجي؟! ـ كاتب مصري