ليس مصادفة ان تحتل الانتفاضة الفلسطينية مكانة خاصة لدى الجزائريين.. أي جزائري عندما تسأله عن فلسطين يقول لك: أنا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة. هذه العبارة تتردد على لسان كل الجزائريين. وليس بغريب على شعب عانى ويلات الاستعمار لمدة 132 عاما، ولذلك فهو يشعر بمرارة اخوانه الفلسطينيين لأن المأساة واحدة. ما أشبه اليوم بالبارحة.. هذا أحد مجاهدي الثورة الجزائرية يستذكر أيام الجهاد والثورة وكيف كانت فرنسا تنعتهم بـ «الارهابيين» وكانت تستعمل معهم أبشع وسائل التعذيب لاخماد الثورة، وكان مجاهدو الثورة الجزائرية يردون عليها بحرب ضروس، كبدت العدو الفرنسي الآلاف من القتلى والجرحى. كانت الحرب على أشدها، كلما زاد الجيش الفرنسي في وحشيته كانت المقاومة الجزائرية تزداد تلاحماً، وكانت ترد على مجازر الجيش الفرنسي بعمليات بطولية لاتزال خالدة في الذاكرة.. هكذا قال محدثي وهو يعيد شريط ذكريات أليمة لا يمكن لأي جزائري ان ينساها، وها هي الانتفاضة تواصل مشوار البطولات لتصنع ملحمة عربية تعطي دروسا في الشجاعة وتثبت للعالم ان ثمن الحرية غال وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. فرنسا ارتكبت مجازر بشعة في الجزائر ولاتزال تتستر على الكشف عنها الى اليوم خوفا من الفضيحة.. وكان أحد جنرالاتها السابقين قد كشف منذ شهور عن الوسائل التي كان الجيش الفرنسي يستعملها في تعذيب الجزائريين، وهي وسائل وحشية لا يمكن تصورها. واليوم ها هو الجيش الاسرائيلي الذي يقوده شارون والذي ارتدى بزته العسكرية من جديد، وعاد الى الخدمة العسكرية يتولى مهمة ابادة الشعب الفلسطيني كله، وعلى مرأى من العالم، الذي لم يحرك ساكنا لسبب بسيط ان الولايات المتحدة الامريكية أعطت الضوء الأخضر لشارون لإكمال مهمة ما يسمونه «محاربة الارهاب»، ويعني ذلك فيما يعني ان اسرائيل تنوب عن الولايات المتحدة الامريكية في «محاربة الارهاب» في الشرق الأوسط، لأن الادارة الامريكية منشغلة بمحاربة «الارهاب» في افغانستان! لذلك لا نتعجب عندما يقول شارون انه يحارب «ارهابا» يهدد العالم الحر! وكان يقصد بكلامه ان المقاومة الفلسطينية تهدد الكيان الاسرائيلي والولايات المتحدة الامريكية على حد سواء! الجنرال ديجول كان يقول ذات الكلام عن المقاومة الجزائرية بالأمس، وكان يلقى مساندة من دول حلف الاطلسي، ومن الولايات المتحدة الامريكية ذاتها، ولكن ماذا كان رد المقاومة الجزائرية؟ كان ردها على الاستعمار الفرنسي قاسيا واصلت مقاومتها وحربها على المستوطنين الفرنسيين، وضربت بنية الجيش الفرنسي في الجزائر، كما قامت بعمليات بطولية بتفجير القنابل واحراق المؤسسات الفرنسية، فمن لا يستذكر بطولات جميلة بوحيرد وعميروش والعربي بن المهيدي وغيرهم من الشهداء الأمجاد؟ هؤلاء هم اتباع شهداء الانتفاضة المباركة لأن الطريق واحد والمصير واحد، لا فرق بين الجزائر وفلسطين، كلها أرض عربية مقدسة من المحيط الى الخليج، ألم تجتمع الجيوش العربية في خندق واحد في حروب 1967 و1973؟ ألم تساعد مصر وتونس والمغرب الجزائر بالأمس؟ ألم تهب الشعوب العربية بالأمس الى نصرة الشعب الجزائري؟ واليوم الدور على الشعب الفلسطيني الذي يقاوم عاري الصدر مسلحا بالايمان بالله والارادة والشجاعة، وهذا هو سلاحه الوحيد في معركة غير متكافئة، ولكن ما يرهب العدو ليس سلاح الانتفاضة، بل عزيمة هذا الشعب على القتال الى آخر رمق، عزيمة هؤلاء الشبان والشابات في عمر الزهور على مقاومة العدو بأجسادهم، فداء للقدس وفلسطين المباركة. فلماذا نقول عن هؤلاء الأبطال الذين ينعتهم الاسرائيليون ومن معهم بـ «الارهابيين»؟! اسرائيل لا تخيفها السلطة ولا الجيوش العربية ولا حتى الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحاد الاوروبي، ما يخيفها هو سلاح الانتفاضة الضارب الذي يضربها ويوجعها في العمق. القنابل البشرية كما يسمونهم هي القوة الضاربة التي تردع العدو، مادام هذا ما تبقى من سلاح. وللعلم ان المقاومة الفلسطينية لا يمكن لأحد ايقافها لأنها تحولت الى مقاومة شعبية تشارك فيها جميع فئات المجتمع الفلسطيني ولا تقدر أية جهة على اخمادها لأنها نابعة من ارادة الشعب الفلسطيني. وبالأمس قال احد قياديي الثورة الجزائرية: ألقوا الثورة الى الشارع يحتضنها الشعب.. فعلا هذا ما حصل مع الشعب الجزائري والذي على الرغم من الضغوط الدولية لايقاف العمليات الاستشهادية، إلا انه واصل حربه بدون هوادة ضد الاستعمار الفرنسي، فالشعب لا يفهم في لعبة السياسة وإنما يفهم كيف يلدغ العدو وهو في جحره. فمهما حاولت اسرائيل الضغط على السلطة الفلسطينية لاخماد صوت الانتفاضة فإنها سوف تفشل كما تفشل السلطة ذاتها بدليل انها تفاجيء كل مرة بعملية فدائية تقلب حساباتها رأسا على عقب! اسرائيل لا تتخوف من السلطة الفلسطينية ولا من الانظمة العربية لأنها تعرف حجم العرب الحقيقي وإنما تتخوف من تلك الفتاة التي فجرت نفسها داخل حافلة، وتتخوف من ذلك الشاب الذي أمطر حاجزا أمنيا بالرصاص، هذا ما تتخوف اسرائيل منه، أما الباقي فيذهب جفاء! كم من مبادرة اقترحتها الدول العربية على اسرائيل لاقامة سلام معها؟ هل استجابت لهذه الدعوات؟ إن وقت السياسة ولى وشارون قالها صراحة: إن زمن المجاملات والبروتوكولات وتبادل الرسائل والوساطات والمكالمات السرية بين العواصم انتهى وقته، الوقت اليوم لفوهات المدافع ألا نفهم رسالة شارون الواضحة، انه يقول للعرب: لن أوقع معكم سلاما، بل سوف أرغمكم بأن توقعوا على استسلام بعد ان أكون كبدتكم خسائر تجعلكم غير قادرين على الكلام! هذا ما يحدث على أرض الواقع، شارون يتمادى في حربه البشعة مستغلا تواطؤ الادارة الامريكية معه ولن يتراجع خطوة، لأن التراجع سوف يكلفه غاليا، ربما يخسر منصبه فهو اليوم بطل لدى الاسرائيليين يذكرهم بجولدا مائير وصقور اسرائيل القدامى، أليس شارون الذي قاد عملية اجتياح لبنان؟ فها هو يجتاح الاراضي الفلسطينية المحررة بلغة البنادق ويعرض عضلاته أمام شعب أعزل من السلاح تواطأ العالم كله عليه، فماذا فعل هذا العالم في مجازر جنين؟ هل يتحرك ضمير العالم ويحاسب شارون على جرائمه؟ هذا لن يحدث، بل ان شارون كان أذكى من الجميع ووافق على لجنة لتقصي الحقائق عن جرائمه لسبب واحد هو انه قتل اللجنة قبل ان تولد! فإذا كان رفض اللجنة معناه انه يعترف بأنه ارتكب مجازر، ولذلك وافق على اللجنة لأنه يعرف ان تقريرها سوف يوضع في الادراج وعندها ينسى العالم مجازر جنين وتعود الحياة الى طبيعتها من جديد ونعود بعدها الى الكلام عن المفاوضات والسلام، ولكن بعد ان نكون خسرنا سنوات أخرى كسبتها اسرائيل في بناء مستوطنات جديدة وفي تقوية جيوشها وفي الحصول على أموال من الولايات المتحدة بحجة محاربة «الارهاب» وسوف نستعد لمعركة اخرى ولمجزرة اخرى لا نعرف أين ستكون بعد جنين. هذا هو مصير العرب في عالم اليوم الذي لا يرحم الضعفاء.. فهيا أيها الفلسطينيون كونوا كاخوانكم الجزائريين وعلّموا العدو ان الحرية تنتزع ولا تمنح. ـ كاتب جزائري