مرة أخرى: من هي الجهة التي دبرت ونفذت تفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة؟ مناسبة السؤال ليست مرور سبعة أشهر على أكبر حادثة من نوعها في التاريخ البشري دون ان يعرف العالم، على وجه الدقة القانونية من أولئك الذين دبروا ونفذوا، وإنما هي صدور كتاب «الخدعة الرهيبة» للكاتب الفرنسي تيري ميسان الذي يقول فيه إن تحميل مسئولية الحادثة الى مجموعة من «الارهابيين الاسلاميين» بزعامة أسامة بن لادن ليست سوى أسطورة مصنوعة. وفي أعقاب صدور الكتاب يأتي شريطا الفيديو اللذان عرضت كلا منهما قناة «الجزيرة» وقناة «الشرق الأوسط» ونسبا الى قيادة تنظيم «القاعدة» ليستدعيا المزيد من التفكر الذي لا يفضي ـ في غياب اجراءات قضائية على مدى سبعة أشهر ـ إلا الى الارتباك. في الشريطين اجمالاً نرى ونسمع ثلاث شخصيات: الطيار الغامدي وابن لادن وأبوغيث. والسؤال الذي لابد أن يقفز الى ذهن كل مشاهد هو ما إذا كانت الجهة الأصلية صاحبة الشريطين هي فعلاً تنظيم «القاعدة»؟ والى هذا يضاف تساؤل وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد عما إذا كان قد جرى لكل من الشريطين عملية «إخراج» أو «مونتاج» بالاقتطاف المسبق للقطات من عدة أشرطة لتكون هذه الاقتطافات في إجمالها سياقا مقررا مسبقا ليعطي انطباعا معينا. وفي كل الاحوال يبقى السؤال الحاسم: هل يمكن ان «يصمد» الشريطان أمام أسئلة محامي دفاع في محكمة قضائية مستقلة؟ بالطبع هذا السؤال نفسه ينطبق على كتاب المؤلف الفرنسي ميسان، لكن في هذه الحالة لابد ان يردف السؤال بسؤال آخر: لماذا من بين الألوف المؤلفة من مذكرات التوقيف وطلبات التسليم الصادرة عن مكتب التحقيقات الأمريكي منذ 11 سبتمبر 2001 لم تصدر مذكرة أو طلب تسليم بحق تيري ميسان بالنظر الى الخطورة العظمى التي تنطوي عليها محتويات كتابه «التوثيقي»؟ يقول ميسان ان الاستنتاجات التي توصل اليها ليست وليدة تفكرات ذاتية، فهو كما يضيف، عمل مع فريق كامل «من أجل جمع مختلف العناصر». وهذه «العناصر» كانت مشتتة: بعضها في الولايات المتحدة بالطبع والبعض الآخر في أفغانستان وسويسرا وبريطانيا. ما هي الخطوط الرئيسية لمحتويات الكتاب؟ بعد استبعاد أي جماعة اسلامية خارجية يركز ميسان الاتهام على مجموعة من جنرالات القوات المسلحة الامريكية بالتضامن مع جماعة من اليمين المسيحي (المرتبط أيديولوجياً مع اللوبي اليهودي). لكن لماذا يريد عسكريون امريكيون ومعهم عناصر من اليمين المسيحي المتطرف بدعم يهودي القيام بنسف مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن؟ يقول ميسان ان الهدف هو خلق مناخ من الرعب داخل الولايات المتحدة يستدعي انتقال سلطة الحكم الحقيقية في الولايات المتحدة الى الطبقة العسكرية بالنيابة عن «مجمع الصناعة العسكرية». أما الغاية النهائية فهي فرض سيطرة شاملة على العالم بأسره. من هنا نفهم، يضيف المؤلف الفرنسي، لماذا طلب جنرالات «البنتاجون» عن طريق الرئيس بوش ميزانية تسليح خرافية تناهز 700 مليار دولار استغلالاً لمناخ الرعب المصطنع. قد «نفهم» هذا، كما يريد ميسان، وقد لا نفهمه. لكن الذي يستحيل فهمه هو: لماذا لم تتحول التحريات الأولية حول تفجيرات نيويورك وواشنطن حتى الآن الى تحقيق كامل يمهد لمحاكمات؟ ولماذا سكت الكونجرس بمجلسيه عن مطالبة ادارة بوش باجراء هذا التحقيق وتجهيز اتهامات ومتهمين وتقديمهم الى القضاء؟ ولماذا تعزف مؤسسات الإعلام الامريكية من شبكات تلفزيونية وصحف عن اجراء تحقيقات صحفية في الأمر في اطار «الصحافة الاستقصائية»؟ ويبقى السؤال الأكبر الذي يجب ان يطرح على صعيد عربي: لماذا وعلى أي أساس أيدت الحكومات العربية «الحرب الأمريكية ضد الارهاب» في أفغانستان وغيرها؟