الصراع الانساني يدور بوسائل شتى، تتصاعد في شراستها وضراوتها الى مستوى الاقتتال بالمدفع والصاروخ ولكنها تبدأ بداهة عند مستوى حرب الكلمة والمعتقد والفكرة والصورة الذهنية المنطبعة، في وجدان الجماهير. من هنا تدور حرب أخرى أو يدور صراع شديد الضراوة بأساليب مغايرة تكاد تخفيه سحابات الدخان المنعقدة بفعل الدمار والنيران المتخلفة عن الحروب الساخنة في مواقع شتى من خريطة العالم ما بين أفغانستان الى فلسطين المحتلة. حرب الكلمة والمعتقد تلك هي الحرب الإعلامية ـ النفسية التي نجد سلاحها الأول مجسداً في الكلمة واللغة والصورة والفكرة هادفة في هذا الى ان «تبيع» هذا كله الى جماهير المستقبلين في طول الكرة الأرضية وعرضها. وثمة عاملان استجدا على فن «البيع الإعلامي» المذكور فأضفيا على هذا الفن وعلى تقنياته أهمية فائقة في ضوء الأحداث الأخيرة التي ما برح العالم يشهدها. العامل الأول هو ثورة الاتصالات الفضائية وحقيقة الانفجار المعلوماتي وهو العامل الذي شهده عالم الربع الأخير من القرن العشرين وكان في مقدمة أساليبه وآلياته القمر الاصطناعي وجهاز الحاسوب (الكمبيوتر) ثم شبكة الانترنت العالمية للمعلومات. العامل الثاني هو واقعة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي فجرت مكامن التناقضات الثقافية، حتى لا نقول التاريخية بين الولايات المتحدة ومعظم الثقافات والمجتمعات الكائنة في العالم وقد تزامن وقوع هذه الحادثة ـ بمصادفة تاريخية سيئة كما نتصور ـ مع وجود ادارة جمهورية جديدة في البيت الأبيض اتخذت من ملابساتها ومأساتها ذرائع تتيح لها رفع شعار مكافحة «الارهاب» وذلك من أجل إقرار وتأكيد نزعة الهيمنة الامبراطورية الامريكية على أقدار العالم والعصر. باديء ذي بدء، لا حاجة لأي مشتغل بالسياسة سواء كان من موقع القرار والمسئولية أو من موقع الدرس والتحليل الى ادانة صريحة مباشرة لأحداث 11 سبتمبر وما ألحقته من خسائر بشرية ودمار مادي وصدمات معنوية في الولايات المتحدة، تلك ادانات تصدر عن مبدأ انساني وعقيدي وبراجماتي في آن واحد. ثم ان مكافحة الارهاب هدف متفق عليه باستمرار باعتبار ان الارهاب عسكرياً كان أو معنوياً أو فكرياً أو ايديولوجياً أمر تنكره كل الأعراف الحضارية عبر التاريخ ولم ينتج عنه سوى تعطيل مسيرة الحضارة البشرية واعطاب مرافقها وتشويه منطلقاتها ووأد الثمار المرجوة منها. ولكن الأمر الذي يظل موضع اختلاف باستمرار هو الاتفاق حول تعريف وماهية هذا الارهاب، بمعنى ضرورة التمييز الأمين والدقيق بين الكفاح من أجل الحرية والاستقلال ومن أجل حقوق الانسان للفرد وحقوق تقرير المصير للأمم والشعوب وبين سفك الدماء وازهاق الأرواح لتحقيق أغراض فئوية تتوخاها تنظيمات أو جماعات، وكان يمكن تحقيقها ـ لو أرادت ـ بوسائل العمل السياسي والاحتكام الى أساليب الديمقراطية ومؤسساتها. متابعة الإعلام الامريكي.. لماذا؟ وعندنا ان من المهم في كل حال ان نتابع تطورات النظرة الامريكية الى واقع الأمور، وخاصة في مجال صراع الكلمة وحرب الإعلام، الافكار والمعتقدات، أولاً بحكم الموقع الأمريكي السوبر ـ مهم ضمن مجريات الأمور في عالمنا، وثانياً لأن السياسات الإعلامية الأمريكية بكل ما استجد عليها من تطورات بعد أحداث سبتمبر ما برحت تمارس تأثيراتها على ما يدور في عالمنا العربي بشكل عام، دع عنك ما يمس قضية نضال شعبنا العربي في فلسطين المحتلة بشكل خاص لاسيما وان هذا الشعب المناضل يخوض من ناحية حربا بالغة الشراسة ضد ادارة عنصرية فاشية مدججة بأحدث أنواع الأسلحة الامريكية للأسف، فيما يواجه الشعب العربي الفلسطيني من ناحية أخرى حرباً ذات طبيعة مختلفة وتدور على جبهة الإعلام والاتصال وتمارس بحقه وبحق كوادره القيادية وعناصره المجاهدة ترسانة من أكاذيب التشويه والتزييف وقلب الحقائق والبديهيات رأساً على عقب، فإذا بالشهداء الذين يجودون بأرواحهم من أجل تحرير وطنهم المحتل فعلا قد أصبحوا قتلة وارهابيين! وإذا بالاسرائيلي القاتل السفاح شارون يصبح مدافعاً عن أمنه القومي! بل يطلق عليه رأس الادارة الامريكية ـ لما لعلك سمعت ـ وصف شارون رجل السلام ! عن الدبلوماسية الشعبية إن الادارة الامريكية الراهنة بادرت مؤخرا الى اعتماد ما يطلق عليه الخبراء عبارة شهيرة هي: الدبلوماسية العامة (بمعنى الجماهيرية الشعبية المفتوحة، الإعلامية، الجماهيرية). ذلك مسار آخر للعمل الدبلوماسي بخلاف المسار الذي طالما اتبعه أهل السلك السياسي الخارجي في ادارتهم لأعمالهم انطلاقا من مكاتبهم في السفارات والمفوضيات والممثليات والملحقيات وما اليها من مواقع العمل الدبلوماسي الظاهر منها والباطن كما قد نسميه. انها دبلوماسية العمل النشط الاحترافي من منطلق جديد أتاحته ثورة الاتصال والإعلام وانفجار المعلومات على نحو ما ألمحنا اليه في صدر هذا الحديث. أين هذا من دبلوماسية الأيام الخوالي التي مضت حين كان مبعوثو السفارات والملحقيات الأمريكية في قارة أمريكا اللاتينية مثلاً يجوبون أدغال القارة الجنوبية ويزرعون مسالك جبالها وطرقات أريافها في سيارات جيب خفيفة وبسراويل قصيرة من الكاكي، ويفعلون الشيء نفسه في دواخل القارات والأصقاع الأخرى في أفريقيا وآسيا وفي جعبتهم آلات العرض السينمائي التي تقدم الى جماهير تلك الاصقاع النائية صورة أمريكا الجميلة الظريفة الصديقة، أمريكا التي ليس لها تاريخ استعماري بغيض، بل هي ـ كما صورتها أفلام البروباجندا ـ أمريكا الصداقة الممتدة والمعونات المتاحة والفرص السانحة في حالة ان يفكر كائن من كان من أبناء تلك الشعوب في القارات النامية الثلاث في الهجرة الى أمريكا شريطة ان يكون هذا الكائن من أهل الكفاءة والمهارات ومن ثم تحل هجرته الى أرض الوعد، تحت شعار «نحو حياة أفضل» في حين ان هناك من أدبيات الفكر والسياسة والاكاديميا ما يطلق على هذا النزوح شعاراً أقرب إلى واقع الأحوال هو: «استنزاف العقول»! وأياً كان الأمر، فقد وضعت الدبلوماسية العامة ـ الدبلوماسية الإعلامية الشعبية الجديدة المعتمدة في أمريكا شعارا بسيطا وبالغ الدلالة والأهمية تتوخى تنفيذه وهو: أن تحكى قصة أمريكا، بمعنى ان تبلغ للعالم رأيها أو تقص حكايتها من وجهة نظرها. دعوة للتركيز على المستقبل وفي هذا السياق يبادر خبراء أمريكيون أصلاً بنصيحة تقول: لا تركزوا في هذه الحكاية على ما حدث في الماضي، ولكن ركزوا على تحديات الحاضر وعلى احتمالات المستقبل، ولاسيما بعدما حدث في 11 سبتمبر من عام 2001. ويمضي هؤلاء الخبراء قائلين: إن المطلوب باختصار شديد هو: أن تكسب أمريكا عقول وقلوب الشعوب في العالم، بمعنى ان تكسبوا لها مزيدا من الاصدقاء والمؤيدين أو المتعاطفين، في أقل القليل، وأن تعملوا في الوقت نفسه على التأثير على قوى الخصوم المعادين لأمريكا أو على تحييد مواقف هؤلاء الخصوم في أقل القليل كذلك.على صعيد التطبيق ينصح هؤلاء الخبراء ممارسي هذه السياسة الإعلامية الجديدة في أمريكا قائلين: عليكم بوصفكم محترفين لمهنة الإعلام أن تدركوا بداية ان ما تقوله رسالة الإعلامي ليس هو المهم، بل الأهم هو ما يصل الى سمع المتلقي في نهاية المطاف وأياً كان مقدار اقتناع القائل بالرسالة المنقولة، فالفيصل هنا هو درجة اقتناع المستمع بمضمون هذه الرسالة ضمن ملابسات بثها واستقبالها. هؤلاء الخبراء يلفتون النظر الى أهمية التوسع في بث رسالة أمريكا الإعلامية وتنويع أنشطتها الاتصالية باستخدام ما أصبحت تنتجه التكنولوجيا المتقدمة من سبل وامكانات. والمعروف ان مكتب الإعلام الدولي بوزارة الخارجية في واشنطن بادر بعد 11 سبتمبر الى اصدار كتيب اختار له العنوان التالي: «شبكة الإرهاب». قد نلاحظ من جانبنا ان استخدام مصطلح الشبكة أمر يتيح تضمين وادراج كل ما قد يعنّ للدوائر الأمريكية ان تضيفه وتدرجه إلى عناصر تلك الشبكة من فئات وجماعات ومنظمات ومؤسسات، حيث المعايير مختلطة والمحطات غير محددة وقواعد الاضافة أو الحذف تفتقر الى ضوابط، اللهم إلا ما قد تمليه مواقف مرحلية وملابسات لحظية واعتبارات المصالح الآنية. دع عنك ما تمليه بالقطع وسوسة المنظمات الصهيونية والدوائر المؤيدة للاحتلال الاسرائيلي من زوائد واضافات. كتيب بـ 30 لغة يلفت النظر في هذا ان الكتيب المذكور جرى بثه بسرعة فائقة على شبكة الانترنت (موقع مكتب الإعلام المذكور بالخارجية الامريكية ويعرف المكتب بالانجليزية باختصار «آي.آي.بي»)، اضافة الى المبادرة بترجمته الى 14 لغة ومن ثم توجيه شبكة سفارات أمريكا في العالم الى التوسع في الترجمة حيث بلغت 30 من لغات العالم. ومما يدعو الى امعان التأمل ايضا، وهو درس نسترعي اليه بدورنا اهتمام دوائر صنع القرار السياسي الإعلامي الخارجي في الوطن العربي، القرار الصادر بتحويل وكالة الإعلام الامريكية ومن ثم شبكة اذاعات صوت أمريكا الخارجية الدولية عبر البحار الى حيث أصبحت تابعة لوزارة الخارجية، وهي تبعية ادارية أو مؤسساتية أو تمويلية من شأنها ضمان تنسيق الجهود بين الدبلوماسية السياسية ودبلوماسية الإعلام ـ بين جهود السفير ورسالة المذيع، حيث يستهدف الاثنان نوعية واحدة من مستقبلي رسالة أمريكا وهي جماهير العالم الخارجي على اختلاف المستوى ابتداء من رؤساء الدول وكبار مسئوليها وليس انتهاء بصفوة مثقفيها ثم عامة جماهيرها. نؤكد في هذا السياق كذلك على أهمية كفالة الاستقلالية المهنية لشبكة اذاعات «صوت أمريكا» التي لا يسيطر عليها في أدائها اليومي وقراراتها الاحترافية بيروقراطية وزارة الخارجية في واشنطن، بل ان هذا الاشراف معهود الى «مجلس المحافظين» (بي.بي.جي) والهدف صراحة هو اضفاء روح أو طابع المصداقية على ما يبثه راديو صوت أمريكا وهو اكساب هذا الراديو المذكور شكل الموضوعية، اسوة بالثوب الذي استطاعت ان تكتسيه طيلة نصف القرن الأخير هيئة الاذاعة البريطانية، وإن كان هذا الطابع أو هذا الثوب سرعان ما يتعرض لأنواء الغرض واهتراء نسيج الموضوعية أو الصدقية وخاصة أثناء احتدام الأزمات الساخنة (أحداث عدوان 1956 على مصر مثلاً أو في غمار أحداث وما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وخلالهما) انكشفت كميات السم الإعلامي المدسوس في عسل الطابع التصديقي أو غلالات الموضوعية بالنسبة لاذاعات لندن أو اذاعات واشنطن على السواء. وإذا كنا قد أسهبنا في الحديث عن جوانب الرسالة الإعلامية الأمريكية التي تبث بوسائل الإذاعة الالكترونية صورة وصوتاً.. فماذا عن الصحافة المكتوبة والمنشورة من خلال ما يسميه الخبراء المختصون بإسم «النسخة الصلبة» (هارد كوبي) وهي نسخة الطباعة التي يطالعها القاريء كل صباح! منسق الإعلام بالخارجية في هذا الصدد يقول واحد من كبار المسئولين عن السياسة الإعلامية الجديدة في أمريكا هو السيد كريستوفر روس، وهو شخصية مهمة في رأينا سواء بحكم خدمته سفيراً لبلاده في دمشق أو توليه سابقاً منصب المنسق لعمليات مكافحة الارهاب أو بحكم الموقع الذي يشغله حاليا وهو منصب المنسق الخاص للدبلوماسية الشعبية والشئون العامة في وزارة الخارجية الامريكية. في دراسة مهمة نشرها في الموضوع (أحدث الأعداد الصادرة من دورية واشنطن كوارترلي ـ ربيع 2002) يقول السيد كريستوفر روس: ما برحت سفارات الولايات المتحدة تولي بحق اهتماماً بالغاً لجهود انشاء علاقات طيبة مع الصحف الوطنية والمحلية التي تعمل هذه السفارات في بلادها، ومازالت هذه الجهود وقد ظلت بالطبع هي المسئولية الكلاسيكية الموكلة إلى مسئولي الإعلام في تلك السفارات تتمثل في ضرورة أن يبذل هؤلاء المسئولون الأمريكيون قصارى جهودهم من أجل التعارف إلى والتواصل مع المندوبين والمحررين ورؤساء التحرير وأصحاب الصحف من أجل العمل على ان ينشروا ما تراه أمريكا مهماً (من وجهة نظرها) من مقالات وآراء وما يؤثر بشكل عام على تغطية الأحداث وعرض القضايا. ثم جاءت التكنولوجيا لتكفل مزيداً من التيسير مع تلك المهمة التي كان يتحمل مشاقها مسئولو الإعلام في سفارات أمريكا حول العالم، وقد تجسد هذا التيسير في اتاحة سبل التواصل بواسطة البريد الالكتروني، ومع ذلك يظل محور الأهمية في هذه الجهود جميعا هو الاتصال الانساني والعلاقات الشخصية التي تربط بين الصحفي (المحلي) وبين الدبلوماسي (الأمريكي). يلفت نظرنا أيضاً طروحات أخرى يعرض لها العدد الذي احلنا اليه من مجلة «واشنطن كوارترلي» وقد أفردت له محورا ـ ملفا مخصصا لقضايا الإعلام، وفي مقدمتها ـ كما يقول كريستوفر روس قضية «الترويج للتفاهم الثقافي».. فإلى الجزء الأخير من هذا الحديث. ـ كاتب سياسي من مصر