من يشك في سلطة وسائل الاعلام في السياسة؟ لا احد. لكن لماذا كانت وسائل الاعلام قبل الاجتياح الاخير للاراضي الفلسطينية تحشي ادمغتنا وحواسنا وذائقاتنا وذاكراتنا البصرية بالمستهلك الرخيص المفرغ من المحتوى النظيف، العفيف، الجاد، المفيد؟ ولماذا ايضا كانت قبل الاجتياح الاخير نافذة كبيرة مشرعة للطالح والفالح، والطالح في ما تلتقطه لنا يغيب الفالح؟ لماذا كانت هناك رغبة كبيرة في تمييع الفكر، واصرار على تحويل هذه السلطة المهمة الى «مرقص ليلي» يومي، ولماذا تحولت وحادت عن مسارها الطبيعي حينما دخلت اليها التكنولوجيا الحديثة وطورت من ادائها وصارت كل شيء في حياة الافراد؟ اصحاب السلطة الاعلامية وحدهم يعلمون ووحدهم يمتلكون الاجابة التي تكشف مدى التردي الذي ارادوه لسلطتهم التي جردوها من ادوارها التنويرية وألبسوها «بدلة السهرات الفاجرة والماجنة، والغبية في احيان كثيرة».. بعد الاجتياح الذي فطر قلوبنا على اولئك الذين سحقتهم آلته الاجرامية، وبعد ان صار الشارع العربي قلبا واحدا ينزف دما وألما وحزنا وغضبا، تعرت السلطة الاعلامية في لحظات، ولان اصحاب هذه السلطة مسهم ما مسهم من ذلك الالم وذلك الغضب وذلك الحزن اختلف الاداء بين يوم وليلة.. ارتفع سقف السلطة الاعلامية الى مستويات غير مسبوقة، ارتفعت اللغة الاعلامية، وافردت كل وسائل عضلاتها الجبارة لتتحول الى ترسانه عاتية، وتتحول الى سيفا بتارا، وناضل الاعلام العربي، كما ناضل شهداء جنين. اذن يمتلك اعلامنا العربي كل هذه القوة، ويمتلك هذه القدرة على التأثير والاختراق ومد العقل والذاكرة البصرية بحالات طبيعية يعيشها المشاهد والقارئ والسامع، اذن نحن نمتلك هذا الصوت، وتلك السلطة المؤثرة في المناخات السياسية والاجتماعية والوطنية، وهذه الاجهزة التي اصبحت اليوم تسيطر على الفضاء، اثبتت انها بالامكان ان تتحول الى قاعات درس تعلم المواطن دروسا ثمينة، وان تتحول الى مراكز بحث وتحليل ودراسات، وان تتحول الى غرف للعمليات الجراحية الخطرة في الرأي العام الداخلي والخارجي، توجيهه واداراته وتصحيح شوائبه، وكشف الحقائق المدمغة بالادلة له.. امتلكت وسائل الاعلام العربية كل هذه السلطة الخطرة يوم ارادت. وتحولت من دور «الملاهي الليلية» الى دور المساجد. وخلاصة القول ان الحال كشف ان وسائل الاعلام ووسائطه لم تفقد سلطتها، ولم تفقد دورها الصحيح، وانها قادرة على ادائه بشكل جيد ومحترم، لكنها متى ما ارادت، ومتى ما ارادت ان تغيب هذا الدور فهي اخيرا المتسلطة والمتحكمة في هذا القرار المصيري.. هل يطلب الاعلام العربي مزيدا من الموت والالم والدمارات لكي يصبح عاقلا ومتزنا، كما هو هذه الايام ويستمر ام انه سينسف كل معطيات المرحلة ليعيدنا الى تلك الملاهي الماجنة؟ سؤال لاهل الاعلام العرب المحترمين، في ظل السؤال القديم المتجدد عن حاجتنا لصوت وصورة تبين الحق من الباطل.