المحللون الذين تابعوا التحركات والمواقف الامريكية التي اعقبت الاجتياح الاسرائيلي للضفة الغربية والمجازر التي ارتكبت في مختلف مدنها وقراها ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين، فيها تساءلوا عما اذا كانت ادارة الرئيس جورج بوش تريد فعلا وضع حد للحرب الاسرائيلية التي تشنها حكومة شارون على الشعب الفلسطيني؟ فالبيانات المتكررة التي أدلى بها الرئيس الامريكي واعتبرت محاولة «جدية» لوقف تدهور الموقف في المنطقة، من خلال انهاء العمليات العسكرية الاسرائيلية وسحب قوات الاجتياح من مناطق السلطة الفلسطينية، انطوت على قدر كبير من التحريض والاشادة بالحرب الاسرائيلية واهدافها وذلك عبر التأكيد على امرين: الاول ان اسرائيل «تدافع عن امنها ووجودها في مواجهة الارهاب» والثاني «ان السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات يتحملان مسئولية انهيار العملية السلمية لعدم تصديهما للمنظمات الارهابية وتصفية ناشطيها وتفكيك بناها التحتية» وخصوصا «تجنب وقف العمليات الاستشهادية التي تثير الرعب داخل المجتمع الاسرائيلي». وحيال هذا الموقف المؤيد بصراحة للحرب الاسرائيلية، المتفهم جدا لضرورة تحقيق اهدافها المحددة وفقا لتوضيحات شارون لم يكن من المتوقع ان يوقف الجيش الاسرائيلي عملياته العسكرية والمجازر المرعبة التي ارتكبتها قواته داخل المخيمات وفي مختلف المناطق التي شملتها حربه المدمرة. واذا كانت ملاحظات الرئيس بوش المتكررة من الفظاظة والعدائية بحيث يستحيل الخطأ في تفسيرها وفهم مراميها وابعادها فان جولة وزير خارجيته كولن باول وحركته الواسعة، والبطيئة في آن، انطوت على قدر كبير من الخداع والتضليل فهو حاول ان يبدي بعض التوازن في مواقفه وتصريحاته، من خلال اطلاق اشارات غامضة في شأن «تفهمه» لرغبات الدول العربية من جهة ولمعاناة الشعب الفلسطيني من جهة اخرى، لكنه بالمقابل، لم يظهر اي حزم في شأن تنفيذ المهمة التي يفترض انها تمثل المبرر الرئيسي لجولته وهي ممارسة ضغط حقيقي على حكومة شارون لوقف عدوانها على الفلسطينيين وسحب قواتها من اراضي السلطة الفلسطينية كذلك ينتظر من الوزير الامريكي تقديم افكار بناءة لاستئناف المفاوضات السياسية بين طرفي الصراع بدلا من ممارسة الضغط في اتجاه واحد، اي الاتجاه الفلسطيني تحت ذريعة مكافحة «الارهاب» وكأن ما يفعله شارون وقواته ليس ارهابا او عنفا وليس انتهاكا خطيرا لكل القوانين والشرائع الدولية. دلالات مريبة في هذا السياق لابد من تسجيل مجموعة من الملاحظات الدالة: 1ـ قبل وصول كولن باول الى اسرائيل، قام بجولة شملت عددا من الدول العربية بهدف التشاور مع قادتها ـ كما قال ـ وقد اعلن بعد ذلك في القاهرة وفي العواصم الاخرى التي زارها الوزير الامريكي ان باول لم يحمل معه اية افكار جديدة او اي اقتراحات مفيدة وان كان سمع كلاما واضحا حول ضرورة ان تتحمل الولايات المتحدة مسئولياتها بجدية لاستئناف المفاوضات السياسية وتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بوقف العدوان الاسرائيلي وتلبية المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني وكان هناك اجماع بين القادة الذين التقاهم على ان الرئيس عرفات هو الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وان سلطته الوطنية مستمدة من تأييد هذا الشعب وبالتالي فان احدا لايوافق على تجاهله او استبعاده او الاساءة الى مكانته. وقد بدا باول وكأنه تفهم وجهة النظر العربية ولكن باستثناء مسألة موافقته على لقاء عرفات في مقره الرسمي (مكان احتجازه) فان الوزير الامريكي لم يفعل شيئا يدل على تجاوبه الفعلي مع الرغبات العربية وكأن ما يهمه هو كسب الوقت فقط لتمكين شارون من استكمال مخطط السيطرة على مناطق السلطة الفلسطينية كافة وتصفية او اعتقال من يستهدفهم في حملته العدوانية من المناضلين الفلسطينيين. 2ـ ابدى باول حرصا ـ ولو ظاهريا ـ على دعم مهمته بتأييد اوروبي ودولي واضح وقد اثار اللقاء الرباعي الذي تم في مدريد اهتمام مختلف المراقبين حيث ضم بالاضافة اليه امين عام الامم المتحدة كوفي عنان، ونظيريه الروسي ايجور ايفانوف والاسباني جوسيب بيكه (ترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي). وفضلا عن تأكيد المجتمعين في البيان الذي صدر عنهم ـ على زعامة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، اكد المجتمعون على ضرورة انسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي ووقف اطلاق النار فورا وكذلك ارسال مراقبين الى الاراضي الفلسطينية المحتلة للمساعدة في اعادة الهدوء الى مناطق التوتر بالاضافة الى استئناف المفاوضات استنادا الى قراري مجلس الامن 242 و338. ومع ان البيان المذاع بدا واضحا في تعبيراته قويا في نبرته مباشرا في تحديد الخطوات المطلوبة، بما في ذلك وقف العدوان الاسرائيلي وتجميد النشاطات الاستيطانية الا ان الخطاب الامريكي الخاص الموجه الى اسرائيل افقده الكثير من قوته وتأثيره باعتبار ان الولايات المتحدة تمنع اتخاذ اية اجراءات دولية رادعة ضد الدولة العبرية ما يشكل دامغا رئيسيا لتعنتها وتمردها على الشرعية الدولية. 3ـ قبل ساعات معدودة من بدء جولة باول الشرق اوسطية قام مبعوثه انطوني زيني بزيارة الرئيس الفلسطيني في مكان احتجازه ونقل اليه نسخة معدلة من الشروط الاسرائيلية عكست في تشددها الوجه الآخر للاجتياح العسكري ولمحاصرة الرئيس عرفات وتدمير سلطته الوطنية وبرغم ان جواب عرفات على هذه الشروط كان الرفض الكامل منبها الى ان الاجتياح الاسرائيلي لن يحمله على قبول ما اكد رفضه له سابقا لكن المهم في ذلك ان هذا التحرك كشف حقيقة الدور المتواطيء للادارة الامريكية التي ارادت استكشاف مدى تأثير العمليات العسكرية الاسرائيلية على الروح المعنوية للرئيس الفلسطيني وعلى مواقفه حيال الخطوات المقبلة. 4ـ كان من الواضح ان الاتصالات التي تمت لاحقا مع الرئيس عرفات او وفده المفاوض ابتداء من اللقاء الموسع الذي جرى مع الجانب الامريكي برئاسة كولن باول تكرس فيها الامر الواقع الذي خلقه الاجتياح الاسرائيلي وذلك من خلال اخضاع الجانب الفلسطيني للتأثيرات الناشئة عن اعادة احتلال المناطق الفلسطينية والتنكيل الوحشي بابنائها وهو ما يشكل ضغطا مباشرا على المفاوضين الفلسطينيين وفي حين كان الجانب الامريكي يتوجه دائما الى الجانب الفلسطيني مشددا على «وجوب» وقف ما يسميه الارهاب وبالتالي وقف اطلاق النار في هذا الوقت بالذات كانت القوات الاسرائيلية تواصل عمليات التدمير المنهجي التي بدأتها قبل ثلاثة اسابيع وكان ارييل شارون يؤكد رفضه وقف الاجتياح او سحب قواته «قبل اكمال مهمتها». وهذا يعني ممارسة مزيد من الضغط على الجانب الفلسطيني لحمله على الرضوخ للارادة الاسرائيلية ومنح قوات شارون مزيدا من الوقت لاستكمال حملة الاعتقالات التي تنفذها وكذلك التغطية على المجزرة المروعة التي ارتكبتها ضد سكان مخيم جنين. الحل الشاروني في هذا الوقت كشف شارون عن مناورته الجديدة المتمثلة باقتراح عقد «مؤتمر اقليمي للسلام» برعاية الولايات المتحدة تشارك فيه عدة دول عربية معنية (باستثناء سوريا ولبنان، ومع استبعاد الرئيس الفلسطيني شخصيا) ولان الجانب الفلسطيني يدرك تماما ان الاقتراح الاسرائيلي يهدف الى تمييع الموقف وصرف الانتباه عما تفعله قوات شارون في الضفة الغربية المحتلة حيث تواصل توغلها وتوسع نطاق احتلالها للمدن والقرى الفلسطينية، فقد ربط موافقته على المشاركة في المؤتمر المقترح بانسحاب اسرائيل الكامل من المناطق المحتلة واقرارها بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وفقا لمباديء مؤتمر مدريد. وبعيدا عن هذه المناورة المفضوحة فان ثمة اوراق ضغط اخرى يلوح بها شارون كما يشير العديد من المحللين ومن هذه الاوراق التهديد باجتياح قطاع غزة، على غرار ما فعله في الضفة الغربية، مستفيدا من المباركة الامريكية والعجز العربي والدولي كذلك فهو مازال يلوح بابعاد الرئيس ياسر عرفات برغم الاجماع الدولي على التمسك بقيادته للسلطة الفلسطينية. ومع ان قطاع غزة له حسابات اخرى في الاستراتيجية الاسرائيلية، منها ان يكون القطاع مقر «الحكم الذاتي الفلسطيني»، وفقا لـ «الحل الشاروني» البديل للدولة الفلسطينية المستقلة، لكن القيادة الاسرائيلية تريد ان يكون هذا الكيان المسخ (الحكم الذاتي) منزوع السلاح تماما. ولهذا تظل المخاوف قائمة من احتمال وصول آلة التدمير الاسرائيلية الى قطاع غزة، برغم ان ذلك ـ اذا حدث ـ سيؤدي الى وقوع مجازر جماعية تفوق في خطورتها وبربريتها ما حدث في مخيمي نابلس وجنين وذلك نظرا للكثافة السكانية العالية في القطاع. ان شارون لايتورع عن ارتكاب ابشع المجازر من اجل ارضاء نزعة الانتقام التي تستبد به من جهة ولبلوغ اهدافه السياسية من جهة اخرى ولعل اكثر ما يهمه هو الاحتفاظ بالضفة الغربية المحتلة واقامة المزيد من المستعمرات فيها ليجعلها جزءا من الدولة اليهودية وفقا لاحلام التوسع التي لاتزال تراوده. ومن اجل ذلك يتوقع ان يواصل تنفيذ مخططاته التدميرية والتوسعية مستفيدا الى ابعد الحدود من الغطاء السياسي الذي توفره له الادارة الامريكية الحالية. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا