في كل مستهل جولة انتخابية بهذا البلد الغربي أو ذاك،أو في كل منعطف سياسي قد يحصل في منطقتنا العربية، خاصة لجهة الصراع العربي، - الصهيوني، تتسارع وسائل الإعلام العربية بكل صنوفها وتلاوينها، الى التذكير بضرورة الدور العربي والإسلامي في المهجر، لما لهذا الدور من تأثير فاعل داخل هذه المجتمعات. فمن هذه الوسائل ما يحمل شعار التبشير والأمل القادم من الغرب، بعد أن أحس العرب بضرورة الانخراط في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تلك المجتمعات والتأثير فيها لجهة المصلحة القومية العربية العليا. ومنها ما بات شغله الشاغل البحث في قاموس اللغة البائدة، لانتقاء الكلمات الأكثر إيلاماً وتقريعاً للنيل من هذه الكتل البشرية التي تتحدر من أصول عربية وإسلامية، باعتبارها انسلخت عن أصولها وتجاهلت عن سابق إصرار قضايا العرب والمسلمين، وتعايشت مع الواقع الجديد المليء بكل ما يحمله هذا الواقع من مثالب لا تعد ولا تحصى. بل أكثر من ذلك بدأنا نشهد طلاقا بين موقفين متناقضين لا ثالث لهما، انعكسا سلباً على تقييم الشارع العربي بشكل عام، فمنهم من بات يرى في التكفير والتخوين والمروق صفة ثابتة ومتلازمة لهؤلاء المهاجرين، ومنهم من بات يرى أنهم حملة رسالة العرب الحضارية المشرقة إلى ديار الغرب، أو الغربة، فالأمر واحد، التي بدورها ستؤنسن رؤية المجتمعات الغربية للشخصية العربية المتهمة بالصحراوية والبدائية والتخلف عند تلك المجتمعات، وتؤسس لحوار الحضارات فيما بيننا وبين الغرب آجلاً أم عاجلاً، وفعلاً سياسياً مؤثراً في المواقف السياسية الغربية التي تصب في خدمة قضايانا العربية والإسلامية بشكل عام. لكن بعيداً عن خطابنا الإعلامي، المنحاز أو المشكك لهؤلاء الذين حملوا أحزانهم وانكساراتهم، لجملة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية الضاغطة، وهي الأهم، لا بد لنا من تبيان الأسباب والخلفيات التي لا تزال تقف حائلاً دون تقديم نموذج مشابه للنموذج اليهودي في الغرب على أقل تقدير، والتي تتلخص بالتالي: أولاً: شكل غياب الرؤية السياسية العربية الموحدة، عند هؤلاء المهاجرين حالة من التشتت والضياع، بحيث بدا الانحياز لهذا التوجه القطري أو ذاك، السمة الغالبة عند معظم المهاجرين، على الرغم من القدرات الذهنية التي يتحلون بها، وأصبحت القطرية الضيقة المرجعية السياسية وحتى الاجتماعية لغالبيتهم. حيث توزعت الانتماءات على ما يقارب 22 علماً ودولة إن لم يكن أكثر، لأننا بتنا نشهد ولاءات لبعض المدن العربية وحسب، أو إذا شئت لبعض الطوائف والأديان والمذاهب والأقليات الإثنية والعرقية. وباتت المواقف السياسية مرهونة بنبع المشاعر الفياضة عند هؤلاء، تارة تعلو وتارة تنخفض انعكاساً للحدث وطبيعته، كما يحصل هذه الأيام في الشارع العربي، في موقفه ضد المجازر الشارونية التي ترتكب بحق الفلسطينيين، لتخبو بكل تأكيد بعدما يجف الدم الفلسطيني، أو يبرد كما يقال في العامية. ثانياً: غياب الحزب العربي الجامع، رغم التوحد الأيديولوجي قومياً كان أم إسلامياً، فاليهود على سبيل المثال يتوحدون في غالبيتهم بالدفاع عن حق إسرائيل بالوجود، انطلاقاً من رؤية مزدوجة أو مركبة دينية - قومية عرقية، وأن الخلافات التي تدور فيما بينهم، ليس على أحقية إسرائيل بالوجود، قياساً بالقوى والأحزاب السياسية الإسرائيلية التي تختلف فيما بينها على من يقدم انتصارات على العرب ويلحق بهم الهزائم النكراء أكثر. وأن التعدد بالرؤى السياسية من قبل اللوبيات الممتدة من فرنسا التي تشكل 400 ألف ناخب يهودي، وصولاً إلى مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يشغلون فيه 11 عضوا ومجلس النواب الذي يستحوذون فيه على 26 مقعداً، تسعى بكليتها إلى ضبط إيقاع صناع السياسة في الغرب بحيث تبقى على الدوام محكومة بصوتهم الانتخابي الذي بالضرورة سيصب في مصلحة إسرائيل أولاً وأخيراً. بينما لا تزال الكتل العربية في الغرب تعيش عقدة الانتماء وحتى الانحياز في بعض الأحيان، فالطريد أو الشريد بسبب موقفه السياسي أو فاقته الاجتماعية التي كان يعيشها في وطنه، غالباً ما يعيش حالة من الازدواجية بالمشاعر بين حس الانتماء والانتقام من هذه السلطة السياسية أو تلك، وهذا الأمر هو ما يحول دون التفكير الجاد في التكتل من أجل القضايا المصيرية الكبرى لعدم الثقة المتشكلة أصلاً عندهم في قواهم السياسية وأنظمتهم، ليلوذ هؤلاء بغالبيتهم بالحلول الفردية، بعد أن نادوا صادقين في مجتمعاتهم الأصلية بحل مشكلاتهم بشكل جماعي، من قضية لقمة العيش وانتهاء بالديمقراطية السياسية وحرية التفكير والإبداع، والأمثلة أكثر من أن تحصى. ثالثاً: يعيش المهاجرون العرب حالة من الانفصام بين سوية المجتمعات التي يعيشون فيها، والمجتمعات التي انسحبوا منها لجملة الأسباب السالفة الذكر، بسبب عدم القدرة على الجمع بين واقعين مختلفين كلياً، واقع يرتكز إلى المؤسسة المتشكلة التي ترضخ إلى سيادة القانون وتكافئ الفرص على كل المستويات، وواقع يعيش حالة من التشتت والضياع وغياب القوانين الناظمة لحركة المجتمع، حتى الشكلانية منها، التي بدورها - حالة الانفصام - تقلل من محفزات البحث عن الانتماء واستنفار المشاعر كما هو الحال عند اللوبيات اليهودية التي لا ترى فرقاً شاسعاً بين المؤسسات الإسرائيلية إذا صح التعبير، قياساً للتعامل مع اليهود حصراً في داخل الأرض المحتلة، والمؤسسات الأوروبية التي تتسم بذات السمات، بصرف النظر عن رؤيتنا لواقع الكيان الذي يمارس عنصريته معنا وحسب، لكن بالمقابل من ذلك ينتهج كل الأساليب المتحضرة والعصرية التي تتلاءم مع تطلعات اليهود داخل فلسطين وخارجها. رابعاً: غياب الإرادة السياسية والبرامج الاجتماعية الموحدة عند المهاجرين أنفسهم، بسبب الاختلافات والفوارق الطبقية والخلافات السياسية المستندة إلى أسس أيديولوجية والتي تعبر عن كثرة المرجعيات الوطنية والقومية والدينية مما عكس ولا يزال التباين في الأولويات، بعكس اليهودي الروسي والبولوني والألماني واليهودي الشرقي الذي يرى يهوديته وإسرائيل الأساس في حركته السياسية، بل أكثر من ذلك يرى مرجعيته السياسية في الحزب الإسرائيلي الأكثر تشدداً شريطة أن لا يؤثر انتماؤه على وحدة الموقف العام من هذا الكيان. ولعل ما نشاهده على شاشات الفضائيات العربية يوضح لنا الصورة المأساوية المظلمة على هذا الصعيد. بالإضافة لذلك نلاحظ الميل نحو الفردية بالنسبة لكل الفعاليات السياسية، ويتمثل هذا الغياب في قلة الجمعيات والمؤسسات الثقافية والتربوية والإعلامية، هذا الميل الفردي يقلل من التوجه الجاد للانخراط في الحياة السياسية من خلال بناء الجمعيات والمؤسسات ويبقى العرب غرباء على مجتمعاتهم الجديدة رغم الإمكانات المتاحة أمامهم أكثر من المجتمعات التي هاجروا منها. لكن السؤال إلى متى سيبقى الحال هكذا ؟!! بعيداً عن الإجابة عن هذا السؤال بعينه، فان أحداث 11سبتمبر وما عكسته من تداعيات خطيرة على مستقبل العرب والمسلمين قد خلقت محفزاً لم يكن من قبل لدى الجاليات العربية والإسلامية، قناعة بضرورة التكتل من أجل الدفاع عن الهوية المشتركة بعد حالة الوهم والضبابية التي عاشها هؤلاء والتي كانت تقول بأنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع. إلا أن الممارسات العنصرية المترافقة مع الإجراءات الأمنية خاصة بالولايات المتحدة وبريطانيا دفعت الطبقة الوسطى لجهة التفكير بخلق أدوات مشتركة جامعة علها تخفف من حدة الهجمة وبما يؤدي إلى ملء الفراغ الحاصل في أوساط هؤلاء المغتربين وضرورة ملئه في رفد مندوبين عنهم في المؤسسات السياسية. وعلى ما يبدو أن السنوات القادمة ستحمل جملة من المتغيرات التي تبشر بشيء من تغيير الواقع المعاش والذي تمثل في الماضي بإدارة الظهر لمجتمعاتهم الجديدة، خاصة وأن جيلاً ثانياً من المهاجرين قد أصبح يسعى للبحث الجاد بغية خلق خيارات واقعية، باعتباره يتمتع بالمواطنة الكاملة، وهذه الخيارات ستبدأ من البلديات مروراً بالبرلمانات وانتهاء بمجالس الوزراء، وقد تكون تجربة البرلمانات المحلية البلجيكية وما حققته مؤخراً في دعم الانتفاضة وخلق المقاطعة لإسرائيل إحد أكبر المحفزات لانتهاج مسارات سياسية واجتماعية جديدة. ـ كاتب فلسطيني