المنظمات الامريكية والاوروبية المناهضة للعولمة وضعت النقاط على الحروف فأزالت الغشاوة وصححت الرؤية هذا الاسبوع. فالشعارات المقررة، مسبقا التي رفعتها مظاهرة ضخمة من مئة ألف شخص ورتبتها قيادات هذه المنظمات، جمعت بين المطالبة بوقف الحرب الامريكية الدائرة في افغانستان ووقف الحملة العسكرية الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية، ويكتمل مغزى المظاهرة بتوقيتها المقرر سلفا ايضا. فقد اعدت لمناسبة الاجتماع السنوي في واشنطن لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ـ رمزي السيطرة الرأسمالية الاستعمارية في العالم. وهكذا تتضح الرؤية فمغزى حرب بوش في افغانستان يرتبط عضويا بمغزى حرب شارون في فلسطين. وكلاهما ينبثق من تحالف الحركة الصهيونية العالمية مع ظاهرة العولمة الرأسمالية التي تتزعمها الولايات المتحدة. ومعنى ذلك ان ضحايا الحرب الامريكية على افغانستان. والمنظمات الاسلامية الراديكالية الاخرى يجب ان تجمعها جبهة واحدة داخل خندق واحد مع قيادات المقاومة الفلسطينية وقيادات المنظمات الغربية المناهضة للعولمة، فالعدو الذي يمثل القاسم المشترك بينها جميعا ـ العولمة الرأسمالية الامريكية والحركة الصهيونية ـ ينتظم داخل جبهة موحدة ويستهدفها من خندق واحد. ليس هذا سرا مكتشفا للتو او استنتاجا تنظيريا على اساس قانون الاحتمالات او الحدس التخميني هذه هي حقيقة مرئية للعيان يضاعف من وضوحها ما يدلي به كل من جورج بوش وارييل شارون جهارا نهارا. كم مرة اعلن بوش وردد من بعده دونالد رامسفيلد وغيره، ان الحرب الاسرائيلية ضد المقاومة الفلسطينية جزء من الحملة الامريكية ضد «الارهاب العالمي»؟ وكم مرة تناغم معه شارون ومساعدوه معلنين على العالم ان الحرب الاسرائيلية ضد «الارهاب الفلسطيني» هي الوجه الآخر للحرب الامريكية الكبرى ضد الارهاب في افغانستان؟ وكم مرة قال شارون ان ياسر عرفات هو اسامة بن لادن الفلسطيني؟ رغم هذا الوضوح الذي لا مزيد عليه رأينا كيف ان النظام الرسمي العربي ومعه قسم من نخب المثقفين العرب، يفرق بين الحملة الامريكية ضد المنظمات الاسلامية «الاصولية» ابتداء من افغانستان باسم «مكافحة الارهاب» والحملة الاسرائيلية ضد الفلسطينيين.. ايضا تحت الاسم نفسه فيؤيد الاولى ويعارض الثانية. هنا يقفز السؤال: هل حقا يعارض الرسميون العرب الحرب المنظمة التي تستهدف منها اسرائيل تصفية فصائل المقاومة الفلسطينية نهائيا؟ رغم بيانات الشجب الاحادية لكثير من الحكومات الفردية والجماعية على مستوى اجتماعات القمة، فإن الواقع على الصعيد التطبيقي يفيدنا بأن الاجابة عن هذا السؤال هي بالنفي. ولا نذهب بعيدا.. ذلك ان نهج القمع المنظم الذي تتعامل به بعض الانظمة الحاكمة مع التنظيمات الاسلامية المحلية داخل الوطن العربي ـ وهي تنظيمات تتخذ موقفا مناهضا من منطلقات ثابتة ضد الولايات المتحدة واسرائيل ـ يخدم عمليا الاهداف الاستراتيجية الامريكية الاسرائيلية تجاه المستقبل الفلسطيني. هذه الصورة تتناقض جذريا مع صورة الشارع العربي. فعلى نحو تلقائي وعفوي كان خروج الجماهير في العواصم العربية خلال الحملة الاسرائيلية الاخيرة ضد الفلسطينيين رجع صدى للفوران الجماهيري الذي انطلق كرد فعل على الحرب الامريكية في افغانستان. بفطرتها السليمة تدرك جماهير الشارع العربي ان العدو في كلا الحالين واحد: التحالف الامريكي ـ الصهيوني. وهنا يلتقي الشارع العربي دون ترتيب مسبق مع جماهير المنظمات الغربية المناهضة للتحالف الرأسمالي الصهيوني العالمي على سبيل مناهضتها لتيار العولمة. لكن تبقى مشكلة: ان غليان الشارع العربي ـ وهو غليان موسمي ـ لا ينطلق، رغم قواه الكامنة التي اهتزت لها انظمة، من اطارات تنظيمية على غرار المنظمات الغربية. وهذا بدوره يردنا الى التحدي الاساسي الذي يواجه الشارع العربي: غياب الحريات الديمقراطية.