حظك من السما يا عمنا الرئيس شيراك وحظنا نحن أيضا وحظ الاتحاد الأوروبي وحظ فرنسا، لأن سقوط جوسبان واعتزاله العمل السياسي وخروجه من المنافسة، وفوز لوبان اضطر الفرنسيين جميعا الى أن يهتفوا بصوت واحد وعلى طريقة الفنان يوسف وهبي قائلين في ذعر يا للهول.. وهذا الموقف الغريب سيجلب للرئيس شيراك نسبة عالية من الناخبين لم يحصل عليها رئيس فرنسي من قبل ولا أعتقد أن رئيس فرنسا سيحصل عليها فيما بعد. والعبد لله شخصيا كاد يرقص ويهلل لفوز لوبان لأنه عدو اليهود رقم واحد ولكني عدلت على الفور عن هذه الفكرة عندما علمت أنه عدو لليهود وعدو للمسلمين وعدو للدروز وعدو للأرثوذكس وعدو لجميع البشر، وهو يكره الأجانب المهاجرين في فرنسا ولو حكم يوما واحدا سيطرد كل المهاجرين العرب وغيرهم خارج حدود فرنسا. ونسبة كبيرة جدا من المهاجرين من عرب شمال افريقيا يأتي بعدهم الأفريكان ثم المهاجرون من البرتغال واسبانيا وايطاليا وهو يكره الجميع على قدم المساواة ولذلك سارع الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي واليسار كله بدعوة جميع الأعضاء لانتخاب الرئيس شيراك باعتباره المنقذ من المصير الأسود الذي ينتظر فرنسا والاتحاد الأوروبي على يد لوبان. وبالتأكيد فإن أول اجراء سيتخذه لوبان اذا أصبح رئيسا هو الغاء اليورو وعودة الفرنك الفرنسي ثم طرد جميع الأجانب حتى الأجانب الأوروبيين. ويخشى الفرنسيون أن يمتد حقده على الأجانب فيشمل طرد زين الدين زيدان كابتن الفريق الفرنسي وأغلى لاعب في العالم وصاحب الفضل الأول في احراز فرنسا لبطولة العالم السابقة لأن زين الدين زيدان من أصول جزائرية. ولكن كيف نجح لوبان في انتخابات الرئاسة وأصبح رأسه برأس شيراك؟ وكيف سقط جوسبان مرشح الحزب الاشتراكي ورئيس الوزراء والرجل الذي كان يحكم فرنسا مع شيراك؟ إن نجاح لوبان يجعل المرء يتساءل.. هل يرفض الناس الغاء الحدود والغاء العملة والاندماج الى آخر المدى؟ إن الانجليز حتى هذه اللحظة يرفضون الذوبان في الاتحاد الأوروبي ويرفضون الغاء الجنيه الاسترليني هل قيام الاتحاد الأوروبي تحقق قبل أوانه؟ لماذا انحاز الفرنسيون الى لوبان في المعركة الانتخابية؟ إن الناس الذين تحاربوا في الأدغال وفي الحقول وعلى الشواطئ منذ خمسين عاما لا يزال بعضهم حيا حتى هذه اللحظة.. هل هناك احتمال أن يكرر لوبان المفاجأة ويصبح رئيسا لجمهورية فرنسا؟ لو حدثت هذه الغلطة فسوف تكون كارثة على أوروبا بدون شك وسينفرط عقد الاتحاد الأوروبي وستعود ريما الى عادتها القديمة. وقد يحمل الرجال السلاح وهات يا طحن بين المانيا وفرنسا وبين دول اسكندنافيا وروسيا وبين الانجليز والجميع. إننا نخفي رؤوسنا في الرمال كالنعام إذا لم نعترف بالمد اليميني المتطرف في أنحاء العالم وخصوصا في أوروبا.. إن لوبان ليس وحده، هناك لوبان آخر في النمسا ولوبان آخر في يوغسلافيا ولوبان آخر في إيطاليا والجيش الهتلري يحمل سلاحه ويرفع أعلامه ويتحدى الجميع في المانيا، ويبدو أننا مقبلون على عصر مختلف في القرن الواحد والعشرين وفي ذلك العصر الذي بدأت تفوح روائحه لن يكون فيه هتلر واحد ولكن سيظهر فيه هتلر عام، واذا كان الشعب الفرنسي شعب الرقة والموضة والفنون الجميلة اختار لوبان وأسقط جوسبان فهي مسألة يجب أن نتوقف عندها طويلا خصوصا أن لوبان لم يضعه أحد في حسابه ولم يتوقع أحد فوزه ولا جاء ذكره في أي استفتاء جماهيري، وبالرغم من ذلك استطاع الفوز وجاء ثانيا بعد شيراك، فهل هي ضربة حظ؟ هل هي رمية من غير رام؟ إنها بالتأكيد ليست كذلك ولكنها خطوة خطيرة تعني شيئا وهي تعني لأوروبا أشياء كثيرة وأخشى ما أخشاه أن نأخذ المسائل ببساطة وأن نتوقع فوزا ساحقا لشيراك وهزيمة ساحقة لمنافسه، خصوصا وأن الحزب الشيوعي قرر الوقوف الى جانب شيراك في الانتخابات القادمة، فهل يقدر الحزب الشيوعي على ذلك؟ وهل باستطاعة الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الاشتراكي أن يقررا من هو الرئيس القادم لفرنسا؟ واذا كان ذلك باستطاعتهما فكيف سقط مرشح الاشتراكيين وفاز عليه لوبان؟ والشيوعية ذاتها سقطت في مسقط رأسها وتلاشت وكأنها لم تكن من قبل، ثم أليس معتقل جوانتانامو عمل يميني من صنع أكبر دولة ديمقراطية في العالم؟ هل الهجوم على رام الله كان يمكن أن يحدث وبهذه الصورة الوحشية في عالم ديمقراطي تسوده الشرعية ويحكمه القانون؟ العبد لله رغم فرحي الشديد بفوز محتمل للرئيس شيراك إلا أنني أحذر من وقوع المفاجأة، ولو وقعت سيكون قرنا أغبر وحقبة سوداء ولذلك أسال الله أن تخيب ظنوني وأن يحصل شيراك على الأغلبية الساحقة التي لم ينلها رئيس من قبل وأن يحكم الناخب الفرنسي على لوبان بالدخول في الشق لتعود الحياة أحلى وأفضل.. ويارب.. عفوك ورضاك.