خلال خمس جلسات عمل متواصلة امتدت لثلاثة ايام منذ صباح الأحد (21 ابريل) وحتى مساء الأمس الثلاثاء (23 ابريل) وهي الفترة التي احتضنت فيها (الدوحة) ندوة «المرأة والسياسة ودورها في التنمية» تمت مناقشة (13) ورقة عمل جادة ورصينة، من بينها ورقة وفد الامارات حول «التجربة التنموية للمرأة الاماراتية» وطرحت عشرات الأسئلة من قبل المشاركات والمشاركين في أعمال الندوة، اضافة للعديد من المداخلات الجريئة التي أثرت الحوار، إلا ان ورقة السيدة «كارول هيلارد» كان لها وقع آخر! والسيدة «هيلارد» هي المتحدثة الأولى في جلسة مساء الاثنين حيث شاركت بورقة حول «المشاركة السياسية للمرأة في الولايات المتحدة الأمريكية» وهي سيدة أمريكية تشغل منصب نائب الحاكم لولاية «ساوث داكوتا»، وقد أثارت ورقتها بعض التساؤلات لكن العاصفة التي هبت في وجه السيدة «هيلارد» كانت قوية جداً ليس اختلافاً على حيثيات الورقة ولكن فقط لأنها واحدة من ضمن هرم السلطة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ما يعني للشعوب العربية وفي هذا السياق التاريخي الذي نعيشه هذه الأيام الكثير من المواقف شديدة الحساسية. لقد اتفق كل الذين طلبوا الاذن بالاسئلة والمداخلات على توجيه السؤال نفسه وان اختلفت الأساليب، حيث كان الموقف الأمريكي الرسمي من الصراع العربي ـ الصهيوني هو جوهر التساؤل، «لماذا وما هو دورك كسيدة متعاطفة مع قضايا المرأة في العالم تجاه مأساة المرأة الفلسطينية؟ وماذا ستفعلين لنقل موقف المرأة العربية لشعبك ولنساء وطنك عندما تعودين للولايات المتحدة؟» و... وغيرها من الأسئلة، لكن متسائلاً واحداً كان أكثر حدة وتحديداً، فلم يسأل أو يتساءل، لكنه سجل موقفاً أراده ان يصل إلى ساسة أمريكا عن طريق نائبة حاكم «ساوث داكوتا» هو الدكتور محمد صالح المسفر المدرس بجامعة قطر والذي قال للسيدة «كارول» بصوت حاد وهادئ جداً: «اعلمي يا سيدتي بأننا نكرهكم جداً، نكره سياستكم ونمط حياتكم الذي فرضتموه علينا، ووجباتكم السريعة، وما عدنا بحاجة لكل الأنماط التي عودتمونا عليها.. ارجو ان تنقلي ذلك لشعبك..»! وعندما جاء دور المتحدثات على المنصة للرد على أسئلة الجمهور، امتنعت السيدة «هيلارد» عن التعليق على كل الأسئلة والمداخلات المتعلقة بالموقف السياسي للولايات المتحدة من قضية الصراع الدائر على أرض فلسطين، واكتفت بالقول: «أنا هنا لمناقشة موضوع يتعلق بتجربتي الخاصة في الانتخابات، وملتزمة بما جاء فيها، أما كل ما طرح فهو خارج نطاق الورقة، ولذلك امتنع نهائياً عن الاجابة وعن التعليق!! وكان موقفها متوقعاً تماماً، خاصة بعد ان نزلت من على المنصة، واستقبلها موظفو وموظفات السفارة الأمريكية بكثير من التأييد لموقفها وكأنه كان متفقا فيما بينهم أو شيء من هذا القبيل، كما تحدث الجمهور يومها! ولن ننظر إلى الكأس في جزئها الفارغ كما يقولون، ولكننا سننظر إلى الجزء الممتلئ منها، فالسيدة «هيلارد» في النهاية موظفة رسمية تمثل بشكل أو بآخر سياسة بلادها، ومضطرة لأن توافق عليها علناً على الأقل، حتى وان خالفتها ضمناً ـ هذا اذا افترضنا انها تخالفها ـ وعليه فلا نظن بأنه من المنطق ان نطالبها بإعلان موقف شخصي معارض لسياسة بلادها من على منصة ندوة عالمية خارج أرض الولايات المتحدة تضامناً مع الشعب الفلسطيني خاصة ونحن نتابع تبعات الموقف المتأزم الذي يواجهه المبعوث الخاص للأمم المتحدة بشأن عملية السلام في المنطقة «تيري رود لارسن» لمجرد تصريحاته بشأن موقفه الحاد من الجرائم التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي في مخيم جنين!! الجزء الممتلئ من الكأس يتمثل في قول السيدة «هيلارد» بأن الوسيلة الأكثر نفعاً وفاعلية في مخاطبة الرأي العام الأمريكي هي الصحافة أو الاعلام بشكل عام، وعليه فإن كتّاباً ـ رجالاً ونساءً ـ يمكنهم الكتابة حول القضية، وطرحها أمام الأمريكان باصرار وتصميم، وسيسمع الأمريكان وسيفهمون ويتفهمون، ليس جميعهم لكن جزء منهم بالتأكيد، وكما قالت: لم يكن بامكاني ان أحظى بمنصب نائب الحاكم في ولايتي لو لم أصمم على زيارة 40 ألف منزل بجهد ومثابرة منقطعة النظير، نحن من يجب ان يتحمل مسئولية وتبعات ايصال قضيتنا للعالم واقناعهم بها وليس أي أحد آخر، هذا ما أرادت ان تقوله بالضبط. وهذه هي خلاصة الفائدة في ورقة السيدة «هيلارد» وبغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا حول موقفها من سياسة بلادها أو رفضها للاجابة على الأسئلة، فدائماً ما يكون هناك ضوء في آخر النفق، وعشبة خضراء بين مفاصل الصخور، علينا ان ننتبه إليها جيداً، فربما تحولت العشبة الضعيفة المهملة إلى شجرة ذات يوم، لكن بجهد وعرق ومثابرة، وليس بالاهمال أو الاهتمام الوقتي أو الامنيات التي لا تغذي الشجرة، بل تقتلها من الظمأ!