هل ما نحن فيه بداية انعطاف تاريخي في حياة الامة ؟ قد يكون كذلك، فهناك درجة عالية من الغليان الشعبي فشل الجميع في اطفائها، وانزوى كثير من القادة العرب والمسلمين في صوامعهم بانتظار ما ستسفر عنه الاحداث وتركت الساحة للجيش الاسرائيلي لعمليات التصفية الجسدية، ولطاقم الرئيس الامريكي لتنظيف القذارة التي تسببها تلك الالة القاتلة. هناك ثلاث فئات تأثرت مصداقيتها، ولا اعتقد انها قادرة على بناء جسور الثقة مرة اخرى مع رجل الشارع الساخط عليها، اولها بعض الانظمة الحاكمة التي وجدت نفسها مشلولة و بدرجات متفاوتة امام الضغط الشعبي المطالب بعمل شيء جاد، والتهديد الامريكي لها للبقاء بعيدا عن مجريات الاحداث ولو بخطاب حماسي قد لايسر الادارة في واشنطن، وثانيها المثقفون العرب بجميع اتجاهاتهم، الداعون للسلام مع اسرائيل والصامتون والسائرون في ركب الانظمة، وثالثها احزاب المعارضة التي لاتملك سوى الصراخ في وجه الحكومات ونسيت انها فشلت في تنظيم معارضة معتبرة يحسب لها حساب، وبقيت اسيرة الانظمة التقليدية في المعارضة التي لم تتجاوز جمع بعض الساخطين والصراخ امامهم بكل شئ عدا نقد الذات والتفتيش عن سبب الفشل الحقيقي. الامور حاليا تسير باتجاه التهدئة، فرئيس السلطة الفلسطينية اصدر بيانه باللغة العربية الذي يشجب فيه الارهاب ضد المدنيين كما طلبت واشنطن كشرط اساسي للقاء وزير الخارجية كولن باول، والمدن والقرى الفلسطينية خرجت من هول المذبحة لتبحث عن قتلاها لاعنة ذلك الصمت العربي والدولي قالبة كل حجر للبحث عن طعام وماء، في مشهد يذكر بأهوال الحصار التي سجلتها اسفار التاريخ الممتد من الغزو المغولي لبخارى وسمرقند وبغداد وحتى حصار مالقة وغرناطة في الجانب الآخر من الارض الاسلامية. لو جلس العرب الآن على طاولة المفاوضات فانهم سيكونون في وضع مشابه لياسر عرفات المحاصر في غرفتين صغيرتين في مقره في رام الله، فشخص في مثل وضعه لن يكون له خيار التفاوض، بل ستملى عليه الشروط التي يجب ان يقبل بها او يبقى اسير تلك الجدران، او ينفى من الارض. إذن نحن الآن امام مفترق طرق، اما ان نقبل بالشروط الاسرائيلية التي ينقلها كولن باول، او نواصل حربنا مهما كانت الخسائر، ولكن من الذي اوصلنا الى هذا الطريق المسدود ؟ لنكن صريحين، وقد يكون ذلك مؤلما نوعا ما، فتهافت السلطة الفسطينية على الجلوس مع اسرائيل ابتداء من اوسلو وانتهاء بالتنسيق العسكري والامني خلال الفترات الماضية وتهميش الارض والشعب ليكون الحوار محصورا في السلطة، حتى كان كل ما ينشر عن الازمة الفلسطينية في الصحف العربية والاجنبية يذكر السلطة وكأنها القدر المحتوم الذي يجب ان يتم ارضاؤه والحوار معه، واضيفت ديباجة غريبة غير مفهومة الى كل الادبيات الرسمية الفلسطينية مثل - الممثل الرسمي والوحيد للشعب الفلسطيني - في اشارة اليها، مما يعكس تكالبا غير مسبوق وغير مساءل لادارة مقدرات هذا الشعب بدون مراقبة او محاسبة. إن ديباجة الممثل الرسمي والوحيد للشعب الفلسطيني لم تحدد الزمن الذي ستبقى فيه سلطة منظمة التحرير ممثلا رسميا ووحيدا للشعب الفلسطيني، ولم تحدد من المسئول عن القرارات التي اوصلت هذا الشعب الى كل تلك المآسي، ابتداء من معارك ايلول الاسود في الاردن وحتى الحرب اللبنانية التي كانت المنظمة ممثلا غير وحيد في معاركها، وانتهاء بالطريق المسدود الذي نحن الان بصدد البحث عن حل للمرور حوله. والان، هل يستطيع عرفات في وضعه المتأزم والمأساوي ان يضغط على تل ابيب للحصول على ميناء حر، وانشاء مطار لا تتغلغل ايدي الموساد والشين بيت فيه ؟ وهل يستطيع ان يطالب بانشاء ممر آمن بين غزة والضفة ؟ وهل يستطيع ان يطالب بعودة اللاجئين الى ديارهم ؟ نكون ساذجين لو تصورنا ذلك !!! ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»