يقول مؤسس علم الاستراتيجيا كالشويتز: «إذا أردت السلام فاستعد للحرب»، وهو يعني بالضبط ما عناه العلامة عبدالرحمن بن خلدون في القرن التاسع الهجري وفي كتابه «المقدمة» حين كتب: «إن سلامة الرياسة في السياسة، والسياسة وليدة المنعة، والمنعة تكون ما كانت القوة». ولهذا فنحن ننادي في مختلف المناسبات ومن شتى المنابر بأن يتدبر العرب جميعا شئون الاعداد لاستراتيجية دفاعية هي ليست اعلان حرب أو الدخول في مخاطرة عسكرية غير محسوبة، لكنها مبادرة عربية مشتركة لمواجهة أخطار محدقة بدأت طلائعها تطفو على سطح الأحداث، ولعلها مرشحة غدا الى التصعيد والتوسع. أليس هو ديفيد بن جوريون الذي قال لصحفي اسرائيلي كتب مذكراته في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي حين سأله: سيدي الرئيس إلى أين تمتد حدود اسرائيل، فأجابه بن جوريون: «إلى حيث تصل قذائفنا المدفعية». فالولايات المتحدة الأمريكية وهي على ما هي عليه من قوة عاتية ومن مكانة جغرافية بعيدة عن مواقع الأزمات والصراعات، لم تقف مكتوفة الأيدي بعد زوال الاتحاد السوفييتي عدوها التقليدي وبعد طي صفحة الحرب الباردة، بل ان الادارة الامريكية أوعزت لصحيفة «لوس انجلوس تايم» يوم العاشر من يناير 2002 بنشر مقتطفات مطولة وبجزئيات تقنية وتكنولوجية ومواقع محددة لتقرير أعدته لجنة عليا كلفها الرئيس دبليو بوش، ويحمل التقرير عنوان «مراجعة العقيدة النووية الأمريكية»، وهو تقرير واضح ووافٍ وشافٍ عن استعداد القوة النووية الامريكية لضرب الصين اذا ما أعلنت حربا ضد تايوان، ولضرب روسيا اذا ما تحركت بعض جمهورياتها المسلمة، ولضرب العراق إذا ما هدد اسرائيل، ولضرب ايران لانها تمثل جناحا من أجنحة «محور الشر»، ولضرب كوريا الشمالية اذا ما هاجمت كوريا الجنوبية ... إلى آخر هذه الأهداف. وعلق كولن باول وعلقت كوندوليزا رايس على هذا التقرير قائلين: «إن من حق دولة عظمى ان تدافع عن نفسها». وفي الساحل الآخر من المحيط الأطلسي، أي في الاتحاد الأوروبي: القوة الناشئة، فإن الدول الخمس عشرة بدأت تخطط لاستراتيجية دفاعية مشتركة ما فتئ وزير خارجية فرنسا الأسبق ميشال جوبير ينادي بها ويدافع عنها حتى يستقل الاتحاد الأوروبي، بعد انشاء عملته الموحدة، عن وطأة حلف شمالي الأطلسي (الناتو) وعن حلف أمريكا وانفرادها بالقوة عالميا على حساب أوروبا. أما الصين ذات المليار والربع فهي مهما اندمجت في العولمة وفي اقتصاد السوق، فإنها تظل وفية للخيارات الاستراتيجية العسكرية والنووية التي تؤهلها لان تكون عضوا دائما في مجلس الامن وحاضرة في أزمات آسيا الوسطى والشرق الأوسط حين تشعر ان مصالحها تقتضي ذلك. ولا ننسى الهند وباكتسان اللتين اكتسبتا قوة نووية بضرورة التنافس الحدودي على كشمير والعداء القديم المستحكم في شبه القارة الهندية بين المسلمين والهندوس. ولم يبق بلا قوة فاعلة وبلا تنسيق ... بل بلا بصيرة استراتيجية دفاعية إلا العرب، مهما حصلوا على الطائرات والدبابات والصواريخ والبوارج، لأن الاستراتيجية الدفاعية المطلوبة اليوم هي التي تشمل كل عناصر الدولة، من اعلام وتربية وبنية تحتية ومجال صحي ودوائر اقتصادية ومالية واستعداد أمني وعسكري وتجهيزات أساسية كالطرقات والمطارات والجسور والأنهار والسواحل. إن الاستعداد للدفاع كل لا يتجزأ، وعلينا ان نرفع راية المنعة والقوة دون التهديد أو المخاطرة، بتعبئة مجتمعاتنا بكل قطاعاتها حتى لا نركن لتلك الهشاشة الساذجة التي دمرت أمما قبلنا حين تقاعست عن واجباتها. ولعل الدرس التاريخي الذي استخلصه المؤرخ العبقري ابن طباطبا محمد الطقطقي في كتابه المعروف بعنوان «الفخري»، حين استعرض دمار بغداد على يد التتار المتوحشين ومقتل المستعصم آخر خلفاء بني العباس وولديه في يوم مشهود، يذكركم بما يقع اليوم في جنين ونابلس ورام الله، وغدا في بغداد مرة أخرى، ويعلم الله سبحانه على من سيكون الدور في المستقبل. إن أولوية الأولويات أن يتشاور القادة العرب في تقنيات الاعداد لاستراتيجية دفاعية عربية من المحيط إلى الخليج هي قدرنا مهما اختلفنا، وقارب نجاتنا إذا ما هددت أوطاننا وقد هددت. هذه هي الواقعية السليمة الصحيحة، لا تلك الواقعية التي وصفها الاستاذ محمد حسنين هيكل بأنها تمثل النظر الجامد الى موقع قدميك ... دون بصيرة ودون حلم ودون استعداد. فالواقعية هي ان نغير الواقع، لا ان نرضى به بخنوع وانعدام همة بدعوى اننا مسالمون وان خيارنا الاستراتيجي هو السلام. نعم نحن رواد سلام، ولكنه السلام العادل الشامل الذي لا يفرط لا في الارض ولا في المقدسات ولا في الثوابت. هذه هي أمانة نحملها طواعية أمام الله والتاريخ، وأمام الأجيال القادمة التي ستحاسبنا اذا ما تقاعسنا ... واذا ما انهزمنا دون حرب ... أي الانهزام النفسي اللعين الذي يجعلنا غثاء كغثاء السيل. ـ أستاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر