على هامش فعاليات (ندوة المرأة والسياسة ودورها في التنمية) والتي تنعقد في الدوحة منذ ثلاثة أيام ويشارك فيها وفد من دولة الامارات ممثلاً للاتحاد النسائي العام بالدولة، التقت الوفود المشاركة ظهر أمس في النادي الدبلوماسي استجابة لدعوة غداء كريمة من رئيس مجلس الشورى القطري السيد (محمد بن مبارك الخليفي)، وقد دارت نقاشات كثيرة اتسمت بالكثير من العمق والدلالات لأنها قالت ما يجب أن يقال بعيداً عن تنظير الاوراق الرسمية المقدمة، ودبلوماسية المنصات المعتادة! ولقد جمعتنا مائدة الغداء بأخوة وأخوات من بلدان عربية مختلفة، وكان طبيعياً أن يدور الحوار بشكل ثري وساخن ايضاً، أما ما جعله ثرياً فهو تباين وجهات النظر باختلاف الاقطار، وأما ما جعله ساخناً فهو حديث تفضلت به واحدة من الاخوات عندما علمت بأن الاخت التي تجلس بجوارها هي استاذة جامعية تدرس العلوم السياسية للطلاب (اقصد للذكور) وليس للطالبات فقط، فما كان منها إلا أن التفتت للحضور قائلة: هذا نموذج مشرف لابد من الالتفات له، والاشارة اليه، والاشادة به خاصة وأنه يأتي من مجتمعات موصوفة (أو يقال بأنها موصوفة) بالتخلف !! وهنا كان لابد من التدخل وسريعاً قبل أن ينفلت زمام الحديث ويذهب إلى اتجاهات أخرى، فقلت سريعاً رداً على عبارتها: ومن الذي وصف مجتمعات الخليج بالتخلف يا سيدتي؟ أظن بأن (بعض) وسائل الاعلام العربي في (بعض) الاقطار العربية وفي فترة تاريخية معينة هي التي اشارت الى اقطار الخليج (ومنها الامارات بطبيعة الحال) على أنها منظومة تخلف، وبعدها تحولت الاشارات الى مقولة شائعة، وصلت إلى أن تكون قالباً ذهنياً سلبياً مستقراً في اذهان الكثيرين في هذه الاقطار، وللأسف ان اعداداً كبيرة من هؤلاء هم من النخب المثقفة!! وأظننا في دول الخليج ـ وفي الامارات تحديداً ـ بحاجة إلى مؤتمرات ومنتديات متخصصة لتصحيح مفاهيم كثيرة تأسست في الذهنية العربية ـ المثقفة ـ والتي على اساسها يتم التعامل معنا اينما ذهبنا، تلك المفاهيم المتعلقة بالتخلف والتردي، والتأخر السياسي، وضمور المنظومة الثقافية، وغياب دور المثقف، وعدم وجود أي دور فاعل للمرأة في المجتمع و... الخ، مؤتمرات وندوات ليست للدفاع عن الذات وانما لتصحيح المفاهيم وشرح وجهات النظر. فمن قال بأن المرأة في الامارات متخلفة؟ من أين جاءت تلك الاخت العربية (المثقفة) بمقولتها الغريبة جداً؟ من اين جاء هذا الاعتقاد بأن الاستاذة الاماراتية التي تدرس في الجامعة اليوم هي صورة ايجابية مشرفة تمحو الصورة (السلبية المتخلفة) للمرأة الاماراتية التقليدية؟ وما هي الخلفية المعرفية لمجتمع الامارات التي رصدتها تلك المثقفة لتطلق عبارتها تلك؟ هل نقلت ما قالته من الاعلام العربي أو الغربي الذي قدم الانسان العربي الخليجي والمجتمع الخليجي على انهما افراز طبيعي لمنظومة تخلف سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي، جاء النفط ليزيدهم تخبطاً في الرؤى وازمات في العلاقات مع (الآخر) وخاصة (الآخر العربي)؟ وللأسف فقد شاعت هذه المفاهيم القيمية عن انسان ومجتمع الخليج في الاعلام العربي قبل الغربي وصرنا نحن كخليجيين اسرى لهذه القوالب ولهذه النظرة الخاطئة، في حين ان شباب وبنات الخليج كانوا ينهلون من منابع العلم في كبريات الجامعات العربية والاجنبية منذ ستينيات القرن الماضي، وبالرغم من ان المرأة التقليدية الاماراتية (الأم والجدة والزوجة) قامت بأدوار غير تقليدية في مجمل الحياة الاجتماعية وكانت سيدة فاعلة متفاعلة ومنتجة بكل المقاييس المتوفرة في بيئتها المحلية، هذه السيدة التقليدية (التي توصف بالتخلف ظلما) هي التي اوجدت جيل اساتذة الجامعات، ومستخدمي الحواسيب واصحاب المراكز والتخصصات العلمية الدقيقة والنادرة احياناً، وهي التي دفعت بابنتها الى أن تكون استاذة علوم سياسية وتدرس الطلاب في الجامعات.. اذن فأين التخلف؟ إنه ما من سيدة عربية متخلفة على الاطلاق ـ حسب ما أظن ـ سواء كانت ، الفلاحة أو راعية الغنم، أو المقيمة في رؤوس الجبال، أو تلك المقيمة في ظلال المدينة، نعم توجد امرأة تعاني من أزمات معينة، ومن ظروف قاسية وتتعرض لضغوطات مجتمعية أو اقتصادية لكن لا يكون ذلك معياراً على تخلفها ابداً.. وللعلم فقط، فقد وصلت نسبة الامية في مجتمع الامارات إلى أقل من 10% في مدى زمن تعليمي يمتد منذ منتصف الستينيات للمرأة، في حين أن هناك بلدانا عربية تمتد مسيرة التعليم فيها إلى أكثر من 100 سنة ومع ذلك تعاني نسبة أمية تصل الى أكثر من 60%، وأظنه دليل تحضر وليس دليل تخلف ابداً، وفي الامارات ايضاً اعلى نسبة من حملة الشهادات العليا قياساً بعدد السكان، وعمر التعليم، وعدد الجامعات، وأعلى نسبة مشاركة في العمل ايضاً.. الخ، نعم نقول بأننا نريد الأكثر ونطالب بالافضل ولكن لا نقول ابداً بأننا مجتمع متخلف، أو يقال عنه انه متخلف أو كان متخلفاً!!