أدى العرب دينهم تجاه القضية، وقاموا بأدوارهم على خير وجه بعد فاصل الذبح الاسرائيلي، تبرعات، مظاهرات مرتبة وانيقة، واخرى متشنجة، تشنجها ناسب المذبحة، مات ثلاثة او اربعة فيها برصاص اخوتهم من رجال الامن، دعا من دعا ووجه من وجه وخطب وافتى من خطب وافتى، وبدأ الشعراء ينهلون قصائد جديدة من المشهد المكتنز بالمشاعر «فرصة بعد بوار الشعر الملتزم»، صعدت اسماء طمرها الغبار الى دائرة الضوء.. استثمر الطقس. أدى العرب دينهم تجاه القضية! الرئيس عرفات في محبسه مهدد بخطوة خطيرة، والمدن الفلسطينية ما زالت محاصرة، وسقوط الشهداء يتواصل، الرصاص الاسرائيلي، القتل والنهب والهدم يتواصل، غزة ينهشها الذئب تدريجيا وهناك الالاف من الرجال والشبان في السجون، تحت التعذيب والترهيب، يذوقون أنواع وأصناف التنكيل الذي اخترعته العقول الاجرامية.. الجنود والدبابات والبنادق الرشاشة تؤدي دينها تجاه القضية! ادارة بوش قدمت لاسرائيل خلال السنة المالية الجارية 2.04 مليار دولار من المساعدات العسكرية و720 مليونا على شكل مساعدات اقتصادية وستين مليونا للمساعدة على استقبال المهاجرين. امريكا ادت دينها تجاه القضية! الجنرال تومي فرانكس القائد العام للقيادة المركزية الأمريكية، والوفد العسكري المرافق له في جولة تقوده إلى مصر والسعودية والكويت واليمن..فرانكس يؤدي دينه تجاه القضية. الاحزاب والنخب العربية التي نبشت عن نفسها من تحت التراب، والاخرى التي مازالت في جحورها الظلماء، النخب التي نادت بالتطبيع الثقافي قبل التطبيع السياسي، وجملة الاسماء المثقفة التي صمت اذاننا وسوست في عقولنا لسنوات عن ذلك، ..الاخرون الذين اندسوا وراء سوءاتهم جميعا يؤدون دينهم تجاه القضية. في محاضرته بنادي الصحافة امس الاول قال د.عزمي بشارة عضو الكنيست الاسرائيلي الذي تقاضيه اسرائيل بتهمة خيانة مبادئها الارهابية، هذا العربي الذي يتفتت داخله ويغلي ويحزن ويموت كل يوم عشرات المرات من اجل فتات من الانصاف لاهله ولابناء جلدته، يقارع الصهاينة ويقارعونه.. اشار امس في تلك المحاضرة الى نقطة مهمة تغيب اليوم تماما بعد قيامة المظاهرات وقيامة الحزن وقيامة الدموع وقيامة الشتم والأسى على المصير.. «العويل لا يمكن ان يكون برنامجا سياسيا، ونبذ الذوبان السريع مع مجريات الاحداث ضرورة». يقصد د. بشارة بالطبع غياب تنظيم هذا الجهد الذي اهدر في شوارع الوطن العربي ودون ان تستثمره القيادات والتنظيمات السياسية، وتُحول منه وتنتج موقفا صلبا واستراتيجية سياسية، قابلة لمواجهة السياسات القذرة التي تحاك امام اعيننا المتفرجة.. اعيننا المفتوحة على المشهد المؤلم وافواهنا الفاغرة.. تؤدي دينها تجاه القضية. إذن من يدبرنا؟؟