في «استراحة» سبقت، حكى صديقنا الدكتور جابر عصفور عن ظروف ولادة مجلة «فصول» التي شارك في اخراجها الى الوجود الدكتور عصفور نفسه، مع أكاديمي بارز آخر هو الدكتور عز الدين اسماعيل فضلا عن الشاعر صلاح عبدالصبور عليه رحمة الله وقد كان ـ كما لا يخفى عليك ـ من أعلام مدرسة التجديد في الشعر العربي المعاصر حيث يتألق اسمه جنبا الى جنب مع سائر الرواد ـ الاعلام وعلى رأسهم نازك الملائكة وبدر شاكر السّياب وفدوى طوقان. ولقد عاشت مجلة «فصول» القاهرية سنوات عدة تألقت فيها لتكون الاداة المعبرة عن نبض الثقافة العربية في زماننا وإن لم ترق لا هي ولا غيرها الى المكانة التي ما برحت تشغلها مجلة «الآداب» البيروتية التي ارتبطت منذ انشائها على يد الدكتور سهيل ادريس بكل ما هو مستجد وكل ما هو مبتكر وكل ما هو واعد ومبشر في مضمار ثقافة العرب وابداعهم على مدى ما يقارب النصف قرن. ولعل الميزة التي انفردت بها «الاداب» البيروتية أن تزامن تأسيسها في عقد الخمسينيات من القرن الماضي مع مرحلة الارهاص بالآمال القومية الكبار التي جاشت في صدر جيل عربي بأكمله كان يؤرقه الشوق المقدس الى بناء عالم عربي متوحد ومترابط يسوده العدل وتتحرر فيه ارادة الناس ويشارك فيه العرب ـ من خلال العلم والتنمية والابتكار ـ في بناء عالم جديد. عبرت «آداب» سهيل ادريس عن هذه الآمال الكبار جميعا وربما كان من حسن حظها أن آبت الى الأفول والتواري عن الساحة كي لا تعبر عن الاحباطات الجسام التي مازلنا نكابدها وسط ما نشهد وما نعايش من خطوب حاقت بالأمة واثخنت جسدها بالجراح. مع ذلك فقد جاء الحديث عن مجلة «فصول» يثير أشجانا قديمة ما انفكت مستكنة في أعماق الوجدان ولم يبعثها سوى انفصال اثنين من حروف لغتنا الشريفة عن عنوان المجلة التي أدار حولها الدكتور جابر عصفور ما ألمحنا اليه من أحاديث. الحرفان هما «الألف واللام» واشارتنا هنا الى مجلة قديمة اسمها «الفصول» كان يصدرها حتى الأربعينيات الكاتب والصحفي المصري المخضرم الأستاذ محمد زكي عبدالقادر الذي اشتهر بعموده اليومي الرصين الذي حمل عنوان «نحو النور». ومثار هذه الأشجان هو أن مجلة «الفصول» ذات الألف واللام قد تكون أول مطبوعة من الدوريات السيارة التي كتب فيها شاب كان واعدا منذ بواكير أيامه واسمه أحمد بهاء الدين وهو الكاتب المصري العربي الكبير الذي فقدناه منذ سنوات وما زالت ساحة الفكر الرصين والتحليل السياسي الرشيد تفتقده كلما ادلهمت الأحداث وهي تزداد ـ كما تدرك ـ قتامة واكفهرارا على أساس أنه في الليلة الظلماء يفتقد البدر. ولقد بلغ من اعجاب محمد زكي عبدالقادر بموهبة الخريج الحقوقي الشاب أحمد بهاء الدين الدرجة التي جعلته يسند اليه رئاسة تحرير مجلة «الفصول» ولم يكن «بهاء» قد تجاوز العشرين إلا بسنوات قليلة وكم صدقت فراسة صاحب «نحو النور» فعندما أنشأت السيدة فاطمة اليوسف مجلة «صباح الخير» الشهيرة معبرة عن مرحلة جديدة في منتصف الخمسينيات تسري فيها دماء شابة من التحرر والتجدد واستشراف المستقبل في أعطاف الوطن وشرايين الأمة، لم تجد سوى الصحفي الشاب أحمد بهاء الدين كي تسند اليه رئاسة تحرير المجلة الجديدة المتوثبة ولم يكن رئيس التحرير الجديد قد جاوز الثلاثين. وكاتب السطور له شغف غريب بحكاية هذين الحرفين في عمود العربية ـ «الألف واللام» ـ سواء جاءا على هذا النسق من الترتيب من أجل تعريف الأشياء وهو نسق تشترك فيه الاسبانية وربما الايطالية مع لغتنا العربية فالاسبانية كما نعرف تستخدم الألف واللام لتعريف الأسم المذكر ثم تقلب المسألة حيث تستخدم اللام والألف على هذا الترتيب في تعريف المؤنث حيث الطفل هو «النينيو» وحيث الطفلة هي «لانينيا». والوضع المقلوب للحرفين ينتج بداهة حرف النفي وكلمة الرفض «لا» بكل ما تنطوي عليه من خطر وخطورة وأحيانا من ثمن باهظ مدفوع يؤديه الذين يقولون كلمة «لا» وعبثا يحاول الظلم أن يحملهم على قولة «نعم» رضوخا واستسلاما. وكم تهزنا كلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: ـ يعجبني الرجل اذا سيم ضيما أن يقول «لا» بملء فيه. وكم احترت حين ظللت أسمع أنشودة سيد درويش الشهيرة باسم «لحن الشيالين» وقد أبدعه الموسيقار الكبير في خضم ثورة 1919 الوطنية في مصر، وعمد فيه الى تصوير أحوال بلده بعد أن قطع الفلاحون في الدلتا وفي الصعيد سبل الاتصالات والنقل ليحولوا دون وصول كتائب السلطة الانجليزية المحتلة الى المواقع التي اشتعلت فيها جذوة الثورة الشعبية ضد الاحتلال®. مع ذلك فقد كانت هناك فئة من فقراء الشعب الثائر وأبسط بسطائه أضير أفرادها المساكين من جراء الثورة ذاتها، تلك هي فئة الشيالين ـ الحمالين الذين اعتادوا أن يكسبوا رزقهم الضئيل الحلال بحمل أمتعة المسافرين على رصيف السكة الحديد®. أراد اللحن أن يعبر عن انقطاع سبل المواصلات وفراغ القطار من الركاب، ومن ثم فراغ أيدي الحمالين ـ الشيالين من الدريهمات البسيطة التي كانت تعينهم على احتمال وعثاء الحياة. يقول اللحن السدريشي المعبر: ـ كلّ المحطة قبلي وبحري بقت «لام أليف» والسكة انقطعت م الهوجة، يا لطيف يا لطيف! وحين استمعنا الى هذه الأنشودة لأول مرة، وكان ذلك في فترة تكوين الذائقة الفنية ـ الموسيقية بالذات كان عمرها قد زاد على نصف القرن وكانت اسطوانتها قد أصابها وهن الشيخوخة، وعبثا كنا نحاول أن نفهم ماذا تقصد مجموعة المرددين ـ الكورس ـ من حكاية «لام أليف» الى أن اهتدينا بعد لأي وجهد جهيد الى أن اللحن يقصد حرفي اللام والألف وهما يشكلان كلمة «لا» بمعنى أن محطة القطارات أصبحت تجسد معنى النفي أو الخواء أو اللاشئ®. فلا قطارات تسافر ولا ركاب ولا أمتعة ولا رزق يومئذ لجموع الحمالين ـ الشيالين®. ومع هذا كله فاللحن العظيم يبدأ بافتتاحية مفعمة بكبرياء الشجن حين تقول المجموعة مخاطبة الحمّال الفقير: ـ شِد الحزام على وسْطك غيره ما يفيدك، لابد من يوم عنها ويعّدلها سِيدك، إن كان شيل الحُمُول على ظهرك بيكيدك، أّهْوَن عليك يا حُر من مَدة إيدك. وهكذا أصبح كسب الأرزاق بالجهد وشد الحزام على البدن أخف على الفقير الحر من أن يمد يده يوما، وحاشاه، الى سؤال الآخرين أعطوه أو منعوه. واذا كانت كلمة «لا» أو كما نطقها سيد درويش وجوقته «لام ـ أليف» قد حيّرتنا في فهمها واستيعابها زمنا ليس بالقصير، فقد صادفنا في قراءاتنا يوما نفس الكلمة نفس الحرف وقد تكرر «لا لا» ليحمل دلالة كم كانت بليغة في قاموس النضال العربي المعاصر. كان ذلك أيام كفاح الجزائر من أجل نيل استقلالها وطرد الاحتلال الفرنسي. يومها وقع في يدنا كتاب بعنوان «الجهاد الأفضل» لمؤلفه عمار أوزجان®. وقد شغفت بالكتاب شغفا شديدا®. لاسيما بعد أن عرفت أن الأستاذ أوزجان كان سكرتيرا عاما للحزب الشيوعي الجزائري وأنه حين التحق بصفوف جبهة التحرير الوطنية بقيادة الزعيم أحمد بن بيللا ـ مدّ الله في عمره ـ فقد تحوّل أوزجان الى الفصائل المؤمنة بالشخصية العربية ـ الاسلامية للجزائر®. وقد تم هذا التحول فكريا وسلوكيا في بوتقة النضال الحقيقي، خيار الحياة والموت في جبال أوراس حيث دار القتال أكثر من سبع سنوات بين المجاهدين الجزائريين وبين المحتلين الفرنسيين. كم توقفت كثيرا عند موضع قال فيه مؤلف الكتاب: ـ إن قوات الفرنسيين مدججة بأسلحة حلف الأطلسي لم تستطع يوما أن تستولي على قمة جبل ظلت تحاصره أياما بغير جدوى ذلك لأن الجبل كان يحمل اسم «لا لا خديجة» أي السيدة الجليلة خديجة». وهذا هو معنى لفظ «لا لا» في لغة أهل المغرب العربي المسلم®. والمعنى إن لم يكن المجاهدون يدافعون ببسالة عن جبل من صخر وركام بقدر ما كانوا ينافحون عن دلالة الاسم الجليل لأول سيدة تدخل في الاسلام وهي أم المؤمنين زوج النبي عليه الصلاة والسلام. وأحسب أن لا حاجة بي أن أصّور مقدار سعادتي بالكتاب الذي قرأته عدة مرات ولا مبلغ الفرحة حين زارنا يوما في اذاعة صوت العرب وفد قيادات من الجزائر المحررة المستقلة كان معظمهم أقرب الى يفاعة الشباب باستثناء رجل كانوا يعاملونه بتوقير خاص يميل الى الكهولة، بسيط®. أقرب الى مظهر مدرس قادم من أعماق الريف®. في لحظة التعريف®. قالوا لنا: ـ يسعدنا أن نقدم لكم الأستاذ®. عمار أوزجان.