بدأت بعض المنظمات الحقوقية الدولية تستجيب لنداءات توثيق جرائم الحرب، التي اقترفتها اسرائيل أثناء الاجتياح الأخير لمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، مراكز حقوقية أمريكية، يسهر عليها ناشطون من أصول عربية واسلامية، أوعزت الى كل المعنيين تزويدها بما يتوفر لديهم من أدلة وقرائن حول جرائم الجيش الاسرائيلي في هذه المناطق، ولاسيما في مدينة جنين ومخيمها والحي القديم في مدينة نابلس. ورغم تأكدها من كون المحكمة العليا الاسرائيلية جزءا من النظام الاسرائيلي، إلا أن منظمات فلسطينية لحقوق الانسان رفعت قضية مستعجلة أمام المحكمة، تتعلق بالخروقات التي وقعت بحق السكان الفلسطينيين.. مثل الاعدام الميداني ومنع اسعاف المصابين والجرحى وحرمان المدن والقرى وأهليها من الغذاء والماء والدواء، والدفن الجماعي للشهداء وسرقة الممتلكات المدنية وتحطيم البنى التحتية بدون مبررات عسكرية.. المسئولون الاسرائيليون العسكريون والسياسيون كانوا على يقين من حدوث هذه الضجة القانونية، وعلى سبيل الاجراء الاحترازي «الوقائي»، قرروا حجب تفاعلات الاجتياح ومجرياته عن الآذان والعيون، وهكذا، صدرت أوامر صارمة الى كل وسائل الاعلام الخارجية، بعدم الاقتراب من ميدان العمليات. وللتأكد من التزامهم بذلك، حشر معظم رجال الصحافة فيما يشبه المعتقل.. حتى أن زهاء خمسين منهم اضطروا للاقامة في غرفة لا تزيد مساحتها على عشرين مترا مربعا، مع قليل جدا من الطعام ومياه الشرب. وأبلغ هؤلاء بأن من لا تطيب له مثل هذه الاستضافة، يمكنه التوجه الى أقرب مطار. اخفاء الجريمة أراد أرييل شارون وبن إليعازر وموفاز ومرؤوسوهم، ارتكاب جرائمهم في خفاء مثلما دبروا لها في خفاء. وهم أكدوا مجددا بهذا الاسلوب أن الوازع الخارجي أكثر أهمية لديهم من وخز الضمير الداخلي، فكل ما يحتاجونه للمضي في الجريمة هو أن تغفل عنهم عين الرقيب ولو لبعض الوقت. ومع ذلك، فإن أحد المتحدثين باسم جيشهم امتلك قدرا من الوقاحة وقلة الحياء، سمح له بالادعاء بأن الجيش الاسرائيلي «يستحوذ على أخلاقيات حربية رفيعة»! والواقع أن مطاردة اسرائيل لوسائل الاعلام ظلت عملية ملحوظة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، وقد تم توثيق أكثر من مئة اعتداء على الاعلاميين بمختلف تخصصاتهم خلال العام الأول فقط من الانتفاضة. تراوحت هذه الاعتداءات بين التعرض للطواقم الصحفية بالضرب المبرح وتحطيم أدواتهم الفنية ومصادرتها. واطلاق النار عليهم عمدا. وكان من الملاحظ أن ضحايا هذه الانتهاكات ينتمون الى كافة المؤسسات الاعلامية، الفلسطينية المحلية والعربية والاقليمية والدولية بلا استثناء.. وحدهم المراسلون الاسرائيليون الذين لم يتعرضوا للايذاء، رغم تواجدهم المكثف في بؤرة الأحداث.. إن حادثة واحدة لم تسجل ضد اعلامي اسرائيلي الأمر الذي ينفي وقوع العسف ضد الآخرين بمحض الصدفة أو عن طريق الخطأ. نقول إن انتهاك اسرائيل للمواثيق الدولية المعنية بحرية الصحافة والرأي والتعبير، وتفريطها بمبدأ حماية الصحفيين العاملين في مناطق المنازعات والخطر، كان ملحوظا على مدار الانتفاضة غير أن جرعة هذا الانتهاك زادت كثيرا، وصولا الى الالغاء الكامل لهذه الحرية أثناء الاجتياح. وكانت حكومة شارون قد ضاقت ذرعا بأنشطة الاعلاميين، الذين لم تطاوعهم ضمائرهم للتستر على ممارساتها الارهابية بحق المنتفضين. وقبيل الاجتياح بأيام معدودة، قتل رصاص الجنود الاسرائيليين صحفيا ايطاليا، وكان هذا السلوك نذيرا بأسلوب التعامل المقبل مع أعضاء الوسط الاعلامي في حال إذا ما تجاوزوا هامش السماح المحدد بأوامر الحكومة فور وقوع الاجتياح. غرور القوة في غمرة انشغالهم باغلاق عيون الكاميرات، يفوت أعضاء الجماعة الارهابية الحاكمة في اسرائيل، أن سلوكهم هذا يعاكس طبيعة العصر واتجاه التاريخ، هم يحسبون أنهم قادرون على إخفاء معالم جرائمهم الى ما لا نهاية.. وذلك في الوقت الذي يدعون فيه تمثيل دولتهم لذروة التطور الانساني وقيم الحداثة، لقد حال غرور القوة بينهم وبين الرؤية الحقيقية للعالم المعاصر حيث ظاهرة العولمة الاعلامية والمعلوماتية وسرعة التواصل، بوسعها جعل سلوكهم الشائن حديثا للمجالس والمسامرات في أقصى قرية من هذا العالم في وقت قياسي. لم يتنبه ارهابيو اسرائيل الى أن مجرد حرصهم على حجب الاعلام الخارجي عن مسار الاجتياح الأخير، كان يعني أنهم يبيتون لارتكاب أفظع الآثام والفواحش ضد أبناء الأرض المحتلة، وهو ما أذكى فضول الاعلاميين للتلصص على هذا المسار ومحاولة التعرف على كنه ما يجري خلف ما دعاه أولئك الارهابيون ب«الجدار الواقي» وقد تعزز هذا الفضول بصمود الرجال في جنين ونابلس وبيت لحم.. وكان حدس الاعلام صحيحا، حيث ثبت أن اسرائيل الدولة أضافت خلال أيام الاجتياح، صفحات أخرى أكثر سوءا الى سجل عارها الانساني.واذا كانت حقائق الجرائم الصهيونية الاسرائيلية التي ارتكبت في غيبة التطور الاعلامي والاتصالي قد أنضجت ولو بعد حين، فكيف تصور أحفاد الارهابيين الأوائل إمكان الافلات بآثامهم في أيامنا هذه؟ أية حماقة هذه التي تقودهم الى هذا التصور؟ يتغير كل شئ من حول اسرائيل إلا هي، إنها اليوم كشأنها بالأمس القريب والبعيد باعتمادها على القوى العارية، بارهاب الدولة وسلوكها العدواني، بعصيانها لشرعة حقوق الانسان والشعوب، باهدارها للقانون الدولي.. ويبدو ذلك مفهوما في ضوء ثوابت أخرى لم ينل منها توالي الأيام والأحداث: أولها، الدعم الأمريكي اللامحدود، ثانيها، افلاتها من العقاب الرادع. ثالثها، الايديولوجية العنصرية الحاكمة لسلوكها على الصعيدين الداخلي والخارجي ممثلة بالعقيدة الصهيونية. وقبل ذلك وبعد، العجز العربي عن لجم تصرفاتها وشعورها بهذا العجز. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة