بعض الناس يقومون بمهمات وأدوار وأعمال في الحياة ليس بهدف أن يحققوا نجاحا من ورائها وإنما من أجل أن يحققوا فشلا ذريعا. من هؤلاء وزير الخارجية الأمريكي الجنرال كولن باول في جولته الأخيرة في الشرق الأوسط والتي انتهت يوم الأربعاء الماضي، فالجنرال الذي يمثل وجه الدبلوماسية في منظومة الجنرالات والعسكريين الذين يحكمون الولايات المتحدة وضع بذور الفشل في مهمته قبل أن تبدأ حينما أعلن انه لن يلتقي برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية المحاصر ياسر عرفات ثم تراجع بعد ذلك والتقى عرفات المعزول والمحاصر تحت فوهات مدافع الدبابات الاسرائيلية في لقاء وصفه الفلسطينيون بأنه «كارثي»، وبدا الجنرال باول ومرافقوه وكأنهم قد جاؤوا للقاء عرفات من أجل التقاط الصور التذكارية التي تدين الولايات المتحدة التي جاءت تفاوض زعيما أو بالأحرى تملي عليه المطالب الاسرائيلية وفوهات مدافع الدبابات مسلطة على رأسه، ومن يرجع الى صور اللقاء يجد ان باول كان يحمل معه كراسة فارغة وليس ملفا يحوي جدول أعمال على عادة اللقاءات المرتبة، وبدلا من أن يحمل الجنرال باول المجرم شارون مسئولية المجازر التي ارتكبت والدماء التي لم تجف والجثث التي لم تدفن إذا به يحمل الضحية المسئولية كاملة في الوقت الذي كان فيه الرئيس بوش يتهم الرئيس عرفات بأنه «خان أماني شعبه» وبالتالي فإن باول ذهب للقاء عرفات لكي يحمله عمليا مسئولية الجرائم التي ارتكبها شارون، ويحمله كذلك مسئولية الفشل الذي أحاط بمهمة الجنرال باول من قبل أن تبدأ. لقد كانت مهمة باول من البداية مهمة تكتيكية، ولم تكن مهمة ذات أبعاد أو مخططات استراتيجية، جانب مهم منها هو تخدير العرب حتى يكمل شارون مجزرته حيث أصبح العرب الذين تخلوا عن ارادتهم وقرارهم وتركوا الأوراق كلها بيد أمريكا ينتظرون جنرالات أمريكا الزائرين الواحد تلو الآخر على أمل أن يظهروا شيئا يبعث على التمسك بأي ورقة ولو كانت بيضاء تماما مثل أوراق الكراس الذي كان يحمله باول أثناء اجتماعه مع عرفات. لقد نجح باول في اعطائنا درسا مهما في التخطيط والتنفيذ الدقيق للمهمات الدبلوماسية الفاشلة، فقد حقق فشلا ذريعا في اقناعنا بأن لقاءه بعرفات الذي رفضه في البداية كان مخططا أمريكيا وإنما كان في بدايته ونهايته مطلبا اسرائيليا وكان من أجل ايصال رسالة شارون إلى عرفات، وفشل فشلا ذريعا في إيقاف الحملة العسكرية الاسرائيلية على الفلسطينيين وهو الذي كتب في مذكراته التي نشرها قبل سنوات انه ضد الحروب لكنه لا يمانع بالتلويح بها، وحقق فشلا ذريعا في امكانية اقناع عاقل بأن هناك حيادا ولو معنويا في الموقف الأمريكي تجاه قضية فلسطين أو قضايانا العربية، وفشل فشلا ذريعا في تشكيل أي فهم أو ايحاء بأن الولايات المتحدة لديها أي رغبة في فك الحصار عن الرئيس عرفات ولو حتى ساعة اجتماعه به، وفشل فشلا ذريعا في تحديد أي موعد للانسحاب الاسرائيلي أو ايقاف العمليات والجرائم والمجازر التي ترتكب ضد الفلسطينيين، وفشل فشلا ذريعا في فك الحصار عن الشعب الأعزل في مدن وقرى الضفة حتى باتاحة المجال أمام المحاصرين لدفن شهدائهم وتوفير الحد الأدنى من احتياجات الحياة الضرورية، وفشل باول كذلك في تحديد أي رؤية أو اطار مستقبلي لما يدور الآن بل تبنى الدعوة لمؤتمر شارون للسلام، وبعد المجزرة أو بالأحرى المجازر البشعة التي ارتكبها خلع عليه الراعي الأكبر الرئيس بوش لقب «رجل السلام». أي دبلوماسية تلك وأي زمن نعيشه؟ لقد كان وزير الخارجية الجنرال باول ينتقل من فشل إلى فشل في الوقت الذي كان فيه رئيسه في واشنطن يمتدحه ويمتدح مهمته ويقول في خطابه الذي ألقاه في جمع من العسكريين الأمريكيين أو حكام المستقبل في الدولة العظمى التي أصبح يقودها العسكر بأن باول قد حقق نجاحا كبيرا في مهمته، وهذا يؤكد على ان النجاح هنا هو الفشل بعينه الذي حققه باول وهذا يؤكد ان هذه المهمة من بدايتها قد تم التخطيط لها بعناية فائقة لتكون بحق.. درسا في الاخفاق والفشل الدبلوماسي. ـ كاتب واعلامي مصري