إلى أين يجب أن يتجه عرفات؟أ ولا، ليس هذا التساؤل بشأن العزلة المكانية المضروبة على الزعيم الفلسطيني التاريخي. فسواء أتيح له أن يخرج من محبسه الاجباري، أو لم يتح فإن هذه الوضعية طارئة ومؤقتة. فالسؤال الأساسي إذن هو عما إذا كان عرفات ما بعد «جنين» سيكون مختلفا عن عرفات ما قبل «جنين». لمدى أسابيع ابتداء من أواخر مارس المنصرم تعرض الشعب الفلسطيني ـ كل الشعب بمن في ذلك قيادته التقليدية وسلطته الوطنية وفصائل المقاومة ـ لمحنة بلا نظير أو شبيه في مسار الصراع العربي الاسرائيلي. ومثل هذه المحن تأتي كالاعصار الأهوج في فجائيتها وعنفوانها فتكون اختبارا صعبا لكل المعالم التي تغشاها.. منها ما ينهار ومنها ما يصمد. ولذا فإن هناك خلاصات تستخلص بعد ان يهدأ هدير الإعصار وينجلي الغبار. فما هي الخلاصات التي استخلصها أو ينبغي ان يستخلصها عرفات من محنة الاجتياح الاسرائيلي الاعصاري؟ هنا هو سؤال الساعة، وبدون اجابة صحيحة عليه لن يكون بوسع عرفات ان يحدد لنفسه وللشعب الفلسطيني وجهة صحيحة جديدة لمرحلة ما بعد «جنين» أي ما بعد الاعصار. هناك خلاصات واضحة وفورية الى درجة البدهية، وهناك خلاصات اخرى يستدعي التوصل الى كنهها مقادير من التفكر العميق قد تتفاوت. في مقدمة الخلاصات الواضحة ان «السلام» ـ أو بالأحرى ما كان يُظن انه سلام ـ قتل عمداً على يدي ارييل شارون. فخلال عنفوان العاصفة اضطر شارون ان يكشف على الملأ الاسرائيلي أوراقه. فالوجود الاسرائيلي على أرض الضفة الغربية الفلسطينية ليس احتلالاً لأن الضفة جزء من أرض «اسرائيل الكبرى» التي تمتد من غرب نهر الاردن الى ساحل البحر الأبيض. وإذا كان من المفترض ان عرفات وعى هذا الاستخلاص فإنه لابد ان يتساءل مع نفسه: ما معنى مفاوضات السلام إذن مع اسرائيل إذا كان المشروع الذي يطرحه شارون لن يتحقق إلا بالحرب المستمرة ضد الشعب الفلسطيني من أجل ابادته أو اخراجه من أرضه أو على الأقل استسلامه بالكامل للسيادة الاسرائيلية الأبدية؟ وإذا كانت المحنة كشفت ايضا بما لا يدع مجالاً لأي ذرة من شك ان تحيز أمريكا لاسرائيل لا يعرف حدودا فإن على عرفات ان يستخلص ان الولايات المتحدة ليست سوى عدو لا تقل درجة عدوانيته عن اسرائيل نفسها. وإذا كان ذلك كذلك فهل يستسيغ الشعب الفلسطيني بعد محنة «جنين» ان تتعامل قيادته مع واشنطن وكأنها «وسيط حيادي ونزيه»؟ أما على الصعيد العربي فإن عرفات ينبغي أن يستخلص ان رهان القيادة الفلسطينية على النظام العربي الرسمي ليس في محله. لقد برهنت المحنة عملياً للشعب الفلسطيني ان استرضاء الولايات المتحدة ـ وهي عدو بين ـ والحرص على عدم اغضابها بشق عصا الطاعة عليها هو المعيار الذي لا يعلو عليه أي معيار آخر لدى الأنظمة العربية في تحديد مواقفها وتحركاتها. لكن للاستخلاص ايضاً صورة أخرى.. صورة ايجابية. وفي هذا الجانب لابد ان عرفات اكتشف ان هناك قوتين تتضامنان مع الشعب الفلسطيني: الشارع العربي من الخليج الى المحيط.. والشارع الأوروبي من أثينا الى لندن عبورا بروما وبرلين وباريس وبروكسل ومدريد. غير ان الاكتشاف الأعظم في هذا الجانب هو ان الرهان الأساسي يبقى هو الشعب الفلسطيني نفسه الذي لا يلبث أن يهدأ إلا لينطلق مرة أخرى كإعصار جديد. هذه نقطة البداية إذا كان من المفترض ان عرفات عزم على مراجعة المسار في ضوء محنة «جنين» وما رافقها من تداعيات اقليمية ودولية. على نحو فجائي ألقت محنة «جنين» بمرحلة سياسية فلسطينية كاملة خارج مجرى التاريخ. فقد جرف تيار المحنة الى الأبد كيان السلطة الوطنية الفلسطينية وما كانت ترمز اليه من رذائل «أوسلو». ويتيح التاريخ الآن لعرفات فرصة جديدة لملء هذا الفراغ بتكوين جبهة فلسطينية شعبية عريضة تضم كل التيارات والتنظيمات دون استثناء لمواجهة الواقع الجديد بقلب رجل واحد.