عندما يعيش الانسان حياته بشكل يبدو فيه وكأنه كتب عليه ان يصارع ويقاتل ويتحدى فإنه غالبا ما يعتقد بأن القدر يحمله اكثر من طاقته، وبأن الآخرين يظلمونه، ويحقدون عليه، ويضعون في طريقه العراقيل، وحينما يصل الانسان في تفكيره إلى هذه الدرجة من البكائية والمأساوية في التعامل مع ظرفه الحياتي الخاص، فإنه غالباً ما يتخلى عن أمنياته أو أحلامه، لأنه ـ وببساطة ـ يضعها في ايدي الآخرين معتقداً أنهم هم الذين بامكانهم ان يسهلوا له مهمة تحقيق طموحاته، أو العكس، فإذا فشل ارجع السبب إلى الآخرين والظروف والأهل والامكانيات و... الخ، دون ان يحمل نفسه وزراً واحداً! في روايته المعروفة عالميا (الخيميائي) ينحت الكاتب البرازيلي (باولو كويلو) حكاية الراعي سنتياجو على أساس فكرة رئيسية ذكرها في سياق الرواية خلاصتها: «إذا رغبت في شيء فإن العالم كله يطاوعك ليأذن لك بتحقيق رغبتك»، هذا لا يعني أن العالم سيتقدم منك كالخادم المطيع ليضع لك حلمك على طبق من ذهب، ولكن عليك ان تواجه قدرك بشكل آخر وبنظرة أخرى، فالعقبات والمصاعب ليست عقاباً إلهياً وليست مبرراً للتخلي عن الحلم، انها تحديات مطروحة امام الانسان وليست بالامر الحتمي ابدا، الحتمي هو أن نعيش الحياة كما تستحق وكما نستحق. وفي كل ما يحدث حولنا، على المستوى الشخصي الخاص جداً، وعلى مستوى الامم والشعوب والصراعات الكبرى، فإنه لا شيء يبدو حتميا من الظاهر كما نتصور، ذلك ان الله لا يعذب احداً او يعاقب امة بحرمانها من حقوقها او تعرضها لأزمات أو تحديات، كما ان الله لا يعاقب الانسان الباغي لهدف ما بحرمانه من هدفه، ان الامر مختلف تماما، كما يقول ( باولو كويلو)، ان تلك العراقيل والمصائب التي تعترض حياة الانسان والأمة ليست سوى الوسيلة الصحيحة الى الطريق المضيء لتحقيق الحلم، لكن الانسان عجول بطبعه ولذلك يستسلم لليأس بدلا من ان يندفع الى الامام ليصل. يروي الكاتب الاشهر في البرازيل اليوم حكايته قبل ان يتحول للكتابة، فقد كان فنانا في مجال انتاج الاسطوانات، وكان قد حقق نجاحا منقطع النظير ودعي لزيارة الولايات المتحدة للالتقاء بكبار المنتجين الموسيقيين، ما يعني انه سيتمكن من تحقيق كل ما يرغب فيه في مجال عمله، وكان في ذلك الوقت قد وضع حلمه في ان يصبح كاتبا كبيرا على الرف ـ كما يقول ـ واندفع باتجاه الموسيقى، ونام ذات ليلة وهو يحلم بزيارة الولايات المتحدة في الغد والوصول إلى الحلم الكبير، لكنه بمجرد ان استيقظ تلقى مكالمة هاتفية من مديره في العمل يخبره بأن جهوده مشكورة وبأن الشركة قد استغنت عنه! كان معنى ذلك ان يصبح بلا عمل وبأن يبحث عن مصدر آخر للرزق وقد ظل سنتين بدون اي وظيفة في المجال الذي يعرفه، وكلما كان قاب قوسين أو ادنى من العمل حدث ما يجعله وكأنه ممسك بالسراب، وكاد ان يتخلى عن جميع احلامه، الا انه انتبه إلى ان كل تلك العقبات يجب الا تنسيه ذلك الحلم الذي وضعه يوما على الرف. وبالفعل فقد انبثق من بين ضلوعه هاجس آخر جعله اكثر ثقة في نفسه، ورغبة في التمسك بحلمه.. وكتب رواية وأخرى وثالثة.. اليوم يعتبر (باولو كويلو) المولود عام 1947 الكاتب الشعبي الاول في البرازيل، والحائز على العديد من الجوائز العالمية، واكثر الكتاب المعاصرين قراءً، وله مؤلفات عديدة نشرت في اكثر من 150 دولة وترجمت إلى (51) لغة، وبيع منها أكثر من (31) مليون نسخة. وفي كل رواياته الابداعية يطرح (كويلو) الاشكاليات الانسانية الاكثر عمومية بين الناس، كيف يستطيع الانسان ان يعطى معنى لحياته من خلال الصراع والامل؟ وهي الاشكالية الاكثر اهمية وحساسية بالفعل والماثلة امام كل شخص تقريباً.