حكاية صاحبنا مع الـ «ريموت كونترول» تضرب بجذورها الى مرحلة الطفولة عندما لم يكن الـ «ريموت كونترول» قد اخترع بعد. أيامها كانت محطات التلفزيون التي يشاهدها لا تتجاوز الاثنتين تبثان من دولتين تقعان على بعد آلاف الكيلومترات من مدينته. وكان ارسالهما يغيب عن الشاشة معظم شهور السنة حيث لم تكن الاقمار الصناعية قد استخدمت لبث ارسال القنوات التلفزيونية التي كانت تعتمد على المرسلات الارضية، وكان الطقس ودرجة الرطوبة يتحكمان في وضوح الارسال واختفائه، أما أجهزة الاستقبال فقد كانت تعتمد على الهوائيات التي تنتصب فوق البيوت، حيث كان البعض يجتهد فيضيف اليها قطعا معدنية من أواني المطبخ ظنا منه انها تساعد على تقوية الاستقبال. ومن طرائف تلك الفترة ان مدرس العلوم في فصله سأل ذات يوم عن فائدة هوائي التلفزيون (الايريل) فرفع أحد الطلبة يده متحمسا للاجابة، وعندما سمح له المدرس أجاب: «لكي تقف عليه الطيور يا أستاذ» عندها انفجر كل من في الفصل ضاحكا الا ذلك الطالب الذي ظل واقفا مستغربا ضحك زملائه، ويبدو انه كان على حق لسببين: أولهما ان أسرته لم تكن تملك جهاز تلفزيون، إذ كان امتلاكه في تلك الأيام ترفا لا يقدر عليه إلا المقتدرون. أما السبب الثاني فإن من كان يملك جهازا لم يكن يستخدمه سوى شهر أو شهرين، وثلاثة على أحسن الفروض، بينما يظل أغلب شهور العام جزءا من ديكور المنزل لعدم وصول الارسال اليه. نعود الى حديث الـ «ريموت كونترول» فنقول انه قد ارتبط عند صاحبنا بتلك الفترة لسبب لا علاقة له بهذا كله. ذلك ان الكبار ـ كعادتهم ـ كانوا هم الذين يتحكمون في تحديد القناة التي على الصغار من أهل البيت ان يشاهدوها من بين القناتين الوحيدتين المتاحتين للمشاهدة. ويحدث أحيانا، بل غالبا، ان تكون هناك رسوم متحركة أو مسلسل بونانزا أو عائلة باركلي على احداهما وعلى الثانية مادة اخرى ـ كفاصل أصوات لعبد اللطيف الكويتي أو محمد زويد مثلا ـ يفضل الكبار مشاهدتها، وعندها تفشل كل محاولات الرجاء والتوسل من قبل الاطفال للسماح لهم بمشاهدة برامجهم المفضلة. وبخيال الطفل المقهور وتفكيره الساذج وقتها كان صاحبنا يتمنى ان يكون لديه جهاز سحري يغير به القناة عن بعد وهو جالس في مكانه ليتمكن من مشاهدة مادته المفضلة، واغاظة أولئك الكبار الجبابرة الظلمة المتسلطين. كان هذا أول عهد صاحبنا بالتفكير في هذا الجهاز الذي بدا أمنية صعبة المنال. تكرّ السنون بعد ذلك ويتنبه التقنيون الى القهر الذي يصيب الاطفال نتيجة تحكم مزاج الكبار في محول أزرار قنوات التلفزيون ـ كما يعتقد صاحبنا ـ فيهديهم تفكيرهم الى اختراع هذا الجهاز العجيب. أما ذلك الطفل المقهور الحالم فيقوده القدر الى العمل في التلفزيون نفسه، لينتقل من مقاعد المشاهدين الى المطبخ التلفزيوني، ويصبح جهاز الـ «ريموت كونترول» قطعة حيوية على مكتبه، ويتكاثر عدد هذه الاجهزة تبعاً لعدد أجهزة الاستقبال والعرض التي تقتضيها ضرورة العمل، وتنتهي مرحلة القهر التي عانى منها صغيرا لتبدأ مرحلة اخرى يجد نفسه فيها محاصرا بهذه الاجهزة في المكتب والبيت والسيارة على نحو لايستطيع معه الانفكاك عنها، وتتحول النعمة التي حلم بها ذات يوم في لحظة تفكير طفولي ساذج الى نقمة يحاول التخلص منها بعد ان اصبحت حياته نفسها تدار بواسطة الـ «ريموت كونترول» شأنها شأن حياة معظم المحيطين به كما يرى او كما يكتشف فيما بعد ولم يعد القهر مقصورا على منعه من مشاهدة برنامجه المفضل، بل ليته انحصر في ذلك اذ تجاوزه الى الحرمان من الوصول الى طموحات كثيرة وتطلعات يدخل معظمها في دائرة تحقيق الذات وتوافق الواقع مع الرؤى والاحلام الكبيرة التي تعذر تحقيقها ولا يبقى للمتع التي من نوع ما كان يحلم به صغيرا مما استدعى تفكيره في هذا الجهاز خلال تلك المرحلة سوى النزر اليسير الذي يمكن الاستغناء عنه فيما لو اتيح له تحقيق ما هو أهم. تستغرق فترة الاستسلام لاسر الـ «ريموت كونترول» هذه مرحلة كبيرة ومهمة من حياة صاحبنا، ينجح بعدها في الانفكاك عنها بعد ان ظن انه لا يستطيع ذلك او خيل له في وقت من الاوقات انه قدره الذي ليس بمقدوره تغييره، ورغم الصورة الشكلية التي يمكن ان يمثلها ذلك الا انه انعكس داخل صاحبنا شعورا بالتحرر من امور كثيرة كبلته ذات يوم وحصرته في دائرة اعتقد ان محيطها هو حدود العالم، ليكتشف بعد ان كسر ذلك الطوق ان هناك عوالم اخرى ـ ليس بالضرورة انها اجمل ولكنها مختلفة ـ حرمه اسر الـ «ريموت كونترول» من ارتيادها، أو لم يتح له الفرصة لدخولها انشغاله بالضغط على ازرار تلك الاجهزة التي كانت تتكاثر يوما بعد يوم على طاولة مكتبه. ولان المجال المحيط بالانسان عامل من عوامل تكوين تفكيره وتوجيهه فقد شكلت نظرية الـ «ريموت كونترول» واحدة من النظريات المهمة ـ التي تتحول عادة الى عقدة ـ سيطرت على تفكيره في مرحلة ما قبل الانعتاق من قيد هذا الجهاز اللعين وعندما تحقق له الخلاص من تلك المرحلة كانت نظرته للاشياء لاتزال متأثرة بذلك النمط من التفكير، وليس متوقعا بطبيعة الحال ان تتغير في ايام او شهور تراكمات سنوات جاوزت العقدين تتشكل فيها الشخصية عادة، وتتكون الانماط الجامدة في العقل الباطن وهو ما حدث لصاحبنا الذي بدأ رحلة التخلص من سطوة الـ «ريموت كونترول» عليه وهو يعلم جيدا انها رحلة ربما استغرقت سنوات ولكنها ستنتهي حتما بحصوله على حريته واستنشاقه لعبيرها الذي طالما اشتاق اليه بعد تلك المرحلة التي تركت اثارها عليه وان لم تنجح في تغيير معدنه الذي ظل اصيلا. مؤخرا سافر صاحبنا مرتين كان الفاصل بينهما أياماً لم تتجاوز الاسبوع وحدث له موقف تكرر في الرحلتين لا يعلم ان كان ذلك من باب الصدفة المحضة او ان له دلالات ابعد. في الرحلة الاولى دخل غرفته في الفندق مصحوبا بحامل الحقائب الذي عادة ما يتولى شرح استخدام مكونات الغرفة وطريقة التعامل معها وكأنه يشرح اجزاء مفاعل ذري مع انها متشابهة ومملة كارشادات السلامة التي يسمعها المسافرون قبل اقلاع الطائرة وهي تتهادى على مدرج المطار. خرج حامل الحقائب قبل ان يكمل شرحه بمجرد ان وضع صاحبنا الاكرامية في يده. بعد ان اخرج محتويات حقيبته وكان الوقت ليلا اندس صاحبنا تحت أغطية السرير محتميا بها من برودة الغرفة وهو يحمل في يده جهاز الـ «ريموت كونترول» ليقوم بجولة بين القنوات قبل الخلود الى النوم. ضغط على الزر الاحمر الذي عادة ما يفتح جهاز التلفزيون مرة واثنتين وثلاثاً، لكن الشاشة ظلت معتمة صامتة. مرر اصبعه على جميع الازرار دون جدوى. اخرج البطارية ثم اعاد تركيبها وجهاز التلفزيون رافض استقبال اشارة الـ «ريموت كونترول». كان التعب قد استبد بصاحبنا نتيجة الرحلة الطويلة، وشيء من الغضب قد داخل نفسه نتيجة عدم استجابة الجهاز لمحاولاته بعد تلك العشرة الطويلة والخبرة الجيدة، فقرر الخلود الى النوم وقد عقد النية على الطلب من خدمة الغرف في الصباح تغيير الجهاز أو حل المشكلة بالطريقة المناسبة. في الصباح كان بانتظاره برنامج عمل لم يتح له فعل ذلك فقرر تأجيل الموضوع الى المساء عند عودته. في المساء كان الارهاق قد استبد به مرة اخرى فقرر تأجيل الموضوع الى اليوم التالي. في اليوم التالي تكررت مشاهد اليوم الاول. وهكذا مضت ايام ثمانية تنبه في نهايتها الى انه يعد حقيبته للمغادرة دون ان يطلب تغيير الجهاز أو يشعر بأن شيئا كان ينقصه. بعد اسبوع واحد فقط كان على موعد مع الرحلة الثانية الى بلد آخر. في الغرفة ايضا ـ ولا يعلم ان كان ذلك من باب الصدفة البحتة ـ وجد ازرار تغيير القنوات في جهاز الـ «ريموت كونترول» لا تعمل. وحدهما فقط اللذان كانا يعملان هما زرا رفع الصوت وخفضه. هذه المرة قرر الا يطلب تغيير الجهاز، فقد اكتفى بتثبيت التلفزيون على قناة واحدة قبل أن يأوي الى السرير. اما الجهاز فقد انحصر استخدامه في رفع الصوت وخفضه، ثم اغلاق التلفزيون بعد ان يمل صاحبنا من برامج القناة التي اختارها. سعادة صاحبنا كانت كبيرة في الليلة الاخير، فقد أحس فعلا بأنه قد تخلص من اسر الـ «ريموت كونترول» وان أمنية جديدة على وشك ان تتحقق. ولذلك فقد استغرق في النوم دون ان يعاوده ذلك الكابوس الذي كان حلما رافقه منذ الصغر، وها هو يوشك على التخلص منه نهائيا.