ان تكون مع الحق اليوم يعني ان تكون مع فلسطين.. وأن تكون مع اسرائيل اليوم فأنت ضد الحق بالتأكيد.. بالرغم مما حصل حتى الآن فوق الأرض الفلسطينية من مجازر ومذابح وقتل وتدمير مفجع خلال الاسبوعين أو الثلاثة الماضية تحت عنوان مكافحة «الارهاب» الفلسطيني فإن الالتفاف العالمي والتعاطف الشعبي الدولي الذي حصل حول فلسطين حتى من قبل أبعد الناس عن ساحة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية يمنحنا الأمل في ان نهاية الاحتلال والعدوان والهيمنة الاسرائيلية على مقدرات الشعب الفلسطيني باتت قريبة وتعيش أيامها الأخيرة على الرغم من كل ما نراه ونسمعه يوميا وعلى الهواء مباشرة من عنجهية وبجاحة اسرائيلية. وهذا الاعتقاد نابع في الواقع ـ بالاضافة الى ما ذكرناه ـ عن عقيدة راسخة يؤمن بها كل أحرار العالم بأن دورة الظالم لابد لها من نهاية، وهذا ما نؤمن به عن عقيدة راسخة لان ذلك جزء لا يتجزأ من السنن الكونية التي نؤمن بها نحن المسلمين. إن من تبقى من أهلنا وأحبتنا من مخيم جنين الباسل والمدينة القديمة البطلة لنابلس الحرة أبدا سيكونون أشد بأسا على الاحتلال والعدوان ممن سبقوهم من رفاقهم الشهداء. فهؤلاء يصدق عليهم «إن بقية السيف أنمى ولدا وأكثر عددا». إن كل الطغاة والسفاحين الذين سبقوا جزار صبرا وشاتيلا وجنين ونابلس قد ذاقوا طعم الهزيمة المرة بأسرع من لمح البصر. على أيدي أبناء الضحايا مباشرة أو على يد أتباعهم ومناصريهم الذين عادة ما ينمون ويكثرون ويتكاثرون بسرعة البرق خلافا لأنصار الطاغية والجلاد الذين غالبا ما يتناقصون ويقلون شيئا فشيئا حتى يتلاشوا. صحيح إن شعبنا وأهلنا الصابرين على الضيم في فلسطين يبدون اليوم وكأنهم «الأضعف» عسكريا وماديا لكنهم بإذن الله وبقانون السنن الكونية هم الأقوى وهم الذين يملكون المستقبل. فعندما تقول وزيرة خارجية السويد مثلا: «بأن على اسرائيل أن تعلم بأنها لم تقم لا على أساس سياق تاريخي طبيعي ولا على أساس وعد توراتي ـ ديني مبرر بل انها قامت بقرار من الأمم المتحدة وبالتالي عليها احترام هذا القرار». فإن ذلك يحمل في طياته القول الآخر وان كان ساكنا حتى الآن، لكنه لابد أن يأتي يوم وهو: ان سحب شهادة ميلاد هذا المخلوق العجيب والغريب والطارئ على المجتمع الدولي لابد آتٍ لا محالة خاصة وان كل أعمال شارون وزبانيته من عصابات الاجرام والتنكيل إنما تقترب من هذا الأجل وتفتح الباب على مصراعيه لدخول دويلة الكيان الدخيل في دوامة جهنم. وليتذكر العالم بأن انطلاقة الكفاح المسلح الحديثة للفلسطينيين وتحديدا في العام 1965 إنما انطلقت بسبب تعاظم الشعور الوطني لدى الفلسطينيين بأن كل الأبواب أمام العدل العالمي قد اغلقت أمامهم ولم يبق أمامهم سوى اطلاق النار على جسد هذا الكيان الطاريء والغريب والذي بات بمثابة الغدة السرطانية التي تنخر في جسد الشعب الفلسطيني. وحدهم المصابون بعمى الألوان من قوى الطغيان الدولي لا يريدون ان يصدقوا هذه الحقيقة الساطعة ويظنون انهم بمساندتهم المطلقة لكل ما يقوم به شارون انما يقومون «بمكافحة الارهاب والقضاء على دورة العنف»!! انهم مخطئون تماما وجاهلون تماما بحقائق التاريخ والجغرافيا معا. لقد نسي هؤلاء او تناسوا بأنهم انما يطلقون النار بمواقفهم هذه على مدرسة «الاعتدال الوسطية» اكثر مما يطلقون النار على مدرسة «التشدد الراديكالية» في الاوساط الفلسطينية والعربية والاسلامية. ان هذه المواقف العمياء هي التي دفعت حتى بشخص مثل نجيب محفوظ الحائز لجائزة نوبل للأدب بأن يتوحد في خطابه مع قائد مخيم جنين «ابو جندل» في الدفاع عن العمليات الاستشهادية وبرجال بعيدين جغرافيا عن الميدان الفلسطيني والعربي امثال عطاء الله مهاجراني وخاتمي في ايران ان يقولوا بأن هؤلاء الشبان الذين يفجرون أنفسهم بالحزام الناسف انما يمثلون قمة الفداء والعطاء باعتبار أن الجود بالنفس اغلى حالة الجود. لن يستطيع احد بعد اليوم ان يمنع ورثة الجهاد والتضحية والفداء في مخيمي جنين ونابلس من اشعال ثورة مسلحة جديدة اقوى واشد من ثورة 1965م. وليس صحيحا ابدا ان نظن ان حملة الاعتقالات والاغتيالات للرموز والكوادر النضالية والجهادية انما تساهم في «اقتلاع جذور الارهاب» واطفاء شعلة الانتفاضة! التاريخ يكرر نفسه نعم، ولكن على من لا يريد التعلم من تجارب التاريخ سيكون التكرار عليه تراجيديا. ان امام شارون وزبانيته من النازيين الجدد اياما صعبة للغاية وقليلة جدا اقل مما يتصور بكثير. واذا لم ينتحر كما فعل من قبله هتلر فإنه يكون قد قرر نحر الكيان الذي ينتمي اليه اي سحب شهادة الميلاد التي منحتها الامم المتحدة للدويلة الغاصبة للأرض والحقوق الفلسطينية المشروعة. وحدهم القابضون على جرحهم ودينهم وعقيدتهم ووطنهم الحلم في فلسطين المحتلة سواء في اراضي الـ 1948 او في اراضي الـ 1967، هم اصحاب المستقبل وأربابه وماعدا ذلك ممن لا يزالون يرفضون الاقرار بحقائق التاريخ والجغرافيا والسنن الكونية فإنهم الى زوال لا محالة، مهما ارتكبوا من مجازر ومهما دفنوا رؤوسهم بالرمال، هذا ما فهمته حتى وزيرة خارجية السويد وعدد يتزايد ويتنامى من البرلمانيين الاوروبيين واحرار العالم من كل حدب وصوب. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني