بدعوته قيادات السعودية ومصر والأردن ودول عربية أخرى إلى التحرك ضد المقاومة الوطنية الفلسطينية وتسمية الاستشهاديين الفلسطينيين «قتلة» تعدى الرئيس بوش دائرة الصراحة إلى دائرة قلة الحياء. ولكن ليس للعرب أن يلوموا إلا أنفسهم.تفاعلا مع أحداث التفجيرات الزلزالية في الولايات المتحدة التي عرفت باسم «احداث سبتمبر» تدافع العرب الى ركوب عربة بوش بعد ان أعلن ان وجهتها هي «حرب على الارهاب العالمي» دون ان يسألوا صاحب العربة: ما هو تعريف الارهاب؟ لقد سمح العرب لأنفسهم بالتورط دون تفكر في مغامرة امريكية قصد مدبرها ان تكون اهدافها ملفوفة بغموض مكثف فاذا بهم يكتشفون لاحقا ان ما تخطط له واشنطن عند نهاية المطاف هو جمع القادة العرب مع اسرائيل في خندق واحد. أفغانستان كانت بداية التورط. وقبل ان يوافق القادة العرب على الانضمام الى «التحالف الدولي» الغربي الذي كان من تأليف واخراج جورج بوش كانطلاقة لشن حرب ضارية ضد «الارهاب العالمي» كان الاجدر بالعرب ان يستوقفوا الادارة الامريكية ويصروا على ان تتبنى واشنطن تحالفا دوليا مماثلا لشن حرب ضد ارهاب الدولة الاسرائيلية التي اغتصبت ارض شعب وترفض ردها رغم قرارات الشرعية الدولية.ومع دوران آلة الحرب الامريكية في افغانستان ظلت الادارة الامريكية تصدر «فرمانات» ـ واحدا تلو الآخر ـ ضد منظمات ومؤسسات اسلامية.ومع استمرار التجاوب العربي التفتت واشنطن الى المدارس والمعاهد الدينية في العالم العربي والاسلامي مطالبة بتغيير جذري في مناهجها الاكاديمية فهي في نظرها «بؤر لتخريج أجيال متعاقبة من الارهابيين». ولم ينقص ادارة بوش إلا ان تطالب بمنع تدريس القرآن الكريم. وتأتي الآن دعوة الرئيس بوش الى قادة الدول العربية ليعلنوا حربا على المقاومة الفلسطينية كاستثمار سياسي على درجة عليا لرصيد التجاوب العربي مع واشنطن منذ «احداث سبتمبر». لقد دعا بوش «جميع الدول العربية» للتحرك ضد «الارهاب في الشرق الاوسط» ذاكرا السعودية ومصر والاردن بالاسم. وفي اشارة محددة الى العمليات الاستشهادية الفلسطينية قال «ان القاتل ليس شهيدا.. فهو مجرد قاتل». واستنادا الى هذا «الحكم» طالب بوش الدول العربية بأن تكون «على مستوى مسئوليتها». وعندما يطالب الرئيس الأمريكي القادة العرب بأن يهبوا في وجه المقاومة الفلسطينية باعتبار انها ظاهرة «ارهابية» فإنه ينطلق من أساس ان هؤلاء العرب «ساعدوا في الحرب الواسعة على الارهاب» فكيف يتقاعسون عن «مواجهة الارهاب في الشرق الأوسط». هذا ما يقوله بوش بالحرف.إن مما يثلج الصدر ان القاهرة رفضت تصريحات بوش هذه. فقد أعلن وزير الخارجية المصري احمد ماهر في مؤتمر صحفي انه يتعين على الولايات المتحدة ان تدرك الفرق بين الارهاب والمقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال الاجنبي. لكننا نتساءل: أليس هذا الرفض متأخرا؟لقد أيدت الدول العربية الحرب الأمريكية ضد طالبان وتنظيم «القاعدة» في أفغانستان دون أن تعنى بمطالبة الادارة الامريكية بابراز ادلة ملموسة وقاطعة تبرهن دون شك ان «القاعدة» المدعومة من نظام طالبان هي الجهة المدبرة والمنفذة لتفجيرات 11 سبتمبر. والآن وبعد سبعة شهور من احداث التفجيرات وستة شهور من العمل العسكري الامريكي في الاراضي الافغانية يتواصل التأييد العربي للولايات المتحدة رغم ان هناك أدلة لا تزال غائبة. فكيف لا يفترض جورج بوش ان التأييد العربي الرسمي لواشنطن هو عبارة عن «شيك على بياض»؟ألم يحن الوقت إذن لمراجعة استراتيجية عربية لطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة؟إن مطالبة بوش للقادة العرب بتصنيف المقاومة الفلسطينية الشريفة كعدو ارهابي والتصرف معها على هذا الاساس تنم في حد ذاتها عن قلة حياء. واصدار هذه المطالبة علانية وليس عن طريق القنوات السرية الدبلوماسية يضاعف من سوء التصرف الامريكي.. فكأن واشنطن تفترض ان الدول العربية لم تعد جديرة بالسيادة الوطنية. لقد آن الأوان للدول العربية ان تبرهن العكس لشعوبها وللولايات المتحدة وللعالم وإلا فلتنتظر حكم التاريخ.