حين يهنئ وزير خارجيته كولن باول على (نجاحه) في مهمته في الشرق الأوسط! فالرجل هنا لا يقدم التهنئة من باب المواساة لوزيره الأول، ولا يصدر فقط عن بلاهة سياسية اشتهر بها اداؤه طوال حياته، ولا يفعل ذلك اتقاء للحسد الذي يؤمن أن العالم كله، يشعر به تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. وانما الرجل يتحدث عن قناعة كاملة، فوزيره الأول ذهب في (مهمة) وأداها بنجاح، واذا كان هناك من يختلف على ذلك، فلأنه لم يعرف بطبيعة المهمة، أو لم يتفهم حجم النجاح! ينبغي أن نصدق الرئيس الأمريكي بوش الابن المشكلة ليست في الوزير باول ولا في قدراته أو مواهبه، ولكن في هؤلاء الذين لم يدركوا طبيعة مهمته في المنطقة، أو أدركوا وتظاهروا بغير مايعرفون أو بلغت بهم الغفلة أن يتحدثوا عن موقف أمريكي (عادل) جاء باول ليفرضه على الجميع! المشكلة ليست في الوزير الأمريكي، وانما في الذين صوروا مجرد ارساله للمنطقة على انه (انقلاب) في السياسة الأمريكية، وانتصار لأصدقاء أمريكا العرب الذي أقنعوا واشنطن بالتدخل، وجاءوا بوزيرها الأول الى المنطقة ليحل لهم المشكلة التي وضعهم فيها عدوان شارون الوحشي من ناحية.. والتهاب الموقف في الشارع العربي من ناحية اخرى! والمشكلة اننا مازلنا نتحدث عن انحياز أمريكي لاسرائيل وعن ضوء أخضر حصل عليه شارون من واشنطن للقيام بعدوانه، مع ان ماتقوله الحقائق على الأرض أفدح من ذلك بكثير. فالقرار بشن هذه الحرب القذرة هو قرار واشنطن في الأساس، ولو كان لدى الادارة الأمريكية أي اعتراض لما وقع هذا العدوان النازي الصهيوني ولما استمر حتى الآن. وقد يكون شارون وأركان جيشه النازي قد وضعوا التفاصيل الصغيرة لعدوانهم، ولكن شن الحرب لم يكن إلا تنفيذا لـ (أمر تكليف) من واشنطن تفتح به الباب لحرب أوسع تشمل المنطقة كلها وتعيد ترتيب الأوضاع فيها لمصلحتها وتؤمن فيه الأوضاع بما يناسبها لعشرات السنين المقبلة.الإدارة الأمريكية ـ وليس شارون ـ هي صاحبة القرار، ومن هنا كان ارسال الوزير باول الى المنطقة منذ بدايته نذير شؤم وليس بشيرا بالتفاؤل كما اشاع البعض. ولقد قلنا هنا منذ البداية ان واشنطن لو أرادت ايقاف العدوان النازي الصهيوني على الشعب الفلسطيني الأعزل لتم ذلك بالهاتف، ولما انتظرت الادارة الأمريكية اسبوعا لكي تتحرك، ولما سافر وزير خارجيتها في جولة (سياحية) من المغرب الى القاهرة الى مدريد قبل أن يذهب الى أرض (المعركة) التي يذبح فيها المئات من الشعب الفلسطيني بأسلحة أمريكية! ولما سبق سفر الوزير تصريحات له ولرئيسه ولأركان الادارة الصهيونية الأمريكية بأن المذابح النازية التي تقوم بها اسرائيل هي (دفاع عن النفس ونضال من أجل الديمقراطية)!! وحقيقة الأمر أن باول جاء الى المنطقة لأمر اساسي: وهو استكمال المهمة التي اعطى (ديك تشيني) اشارة البدء بها أثناء جولته في المنطقة وكان تشيني قد جاء ليدشن بدء المرحلة الثانية لما تسميه واشنطن(الحرب ضد الارهاب) بعد نجاح المرحلة الأولى في افغانستان.. وكان التمهيد لهذه المرحلة قد انتهى بقرارات أمريكية بتدمير العراق تدميرا كاملا، وبوضع كل منظمات المقاومة العربية ضمن قائمة المنظمات الارهابية، وبوضع سوريا ولبنان أهدافا لحملة(التأديب) القادمة، وبتوافق مع شارون على اطلاق يده في الاراضي الفلسطينية ليفعل بها مافعلته واشنطن في افغانستان. وهو أمر يعني أن (فتح) أصبحت عند واشنطن هي(طالبان)، وأن باقي منظمات المقاومة هي(القاعدة) وأن عرفات ان لم يكن ابن لادن أخر.. فهو (الملا عمر) الذي لم يعد له مكان وفقا لهذه الاستراتيجية. جاء تشيني واجتمع مع شارون وعصابة الأمن القومي في اسرائيل، ليأخذ شارون (أمر تكليف) بانهاء المهمة في فلسطين، بعد ان أدرك تشيني أن ضرب العراق ينبغي تأجيله لحين تحضير الأرض العربية وانهاء الموقف في فلسطين. وهكذا بدأت الحرب النازية الصهيونية القذرة على الشعب الفلسطيني، وبدعم كامل ومفضوح من واشنطن. وكان السيناريو الأمريكي - الاسرائيلي يفترض أن ينهي شارون المهمة في أسبوعين، ثم يأتي باول ليفرض شروط الاستسلام على الفلسطينيين والعرب. وقد جاء باول الى المنطقة بالفعل بعد اسبوعين، ولكن فوجئ بوضع مختلف: ـ فالمقاومة الفلسطينية كانت أكثر مما توقع السيناريو. وماحدث في جنين لم يؤخر فقط انهاء المهمة، ولكنه ألهب الشارع العربي، وحرك ضمائر الشعوب في العالم كله ـ واذا كانت الضغوط الأمريكية قد نجحت في تقييد حركة الحكومات، فإن المنظمات الشعبية لم ترضخ للابتزاز، ورفضت الخديعة الأمريكية الاسرائيلية التي تريد ان تساوي بين نضال الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وبين تنظيم (القاعدة) أو جهالة (طالبان). ـ الضغط الشعبي على الحكومات العربية كان أكثر من المتوقع. ورغم أن واشنطن كانت تتوقع بالطبع ردود الفعل في الشارع العربي، الا انها كانت تتوقع فيما يبدو أن يكون ورقة لها وليست عليها فهي تدرك ان العجز الرسمي العربي سوف يضع الأنظمة العربية في موقف حرج، ولكنها في النهاية لن تجد مفرا من الخضوع للمطالب الأمريكية ومواجهة جماهيرها بالحقائق المؤلمة التي يتطلبها الاذعان لشروط واشنطن واملاءات شارون!وعندما أعلن بوش عن ارسال وزير خارجيته للمنطقة، ظنت بعض الانظمة العربية أن الفرج قد جاء، وان الرجل قادم لايقاف المأساة وانهاء المذبحة ورفع الحرج عن هذه الأنظمة ولم يكن ذلك الا قراءة خاطئة للموقف، واستمرارا في الرهان الخاطئ على تفهم أمريكي طال انتظاره لأكثر من ربع قرن منذ أن دخلنا نفق سلام الشجعان الذي لم تراه أمريكا في يوم من الايام الا سلام الاذعان! جاء باول الى المنطقة ليبدأ المرحلة الثانية من العملية.. ولكنه فوجئ بأن الجزء الأول لم ينته، والمقاومة الفلسطينية مازالت تقاتل، و(جنين) تتحول الى أسطورة في الصمود، وشارون وقادة الجيش النازي الاسرائيلي يطلبون أربعة أسابيع أخرى لانهاء المهمة. وفوجئ باول بأن القيادة الفلسطينية ـ رغم كل ماحدث ـ لم ترضخ، وبأن الأنظمة العربية (الصديقة) رغم المأزق الذي تواجهه مع الشارع العربي الغاضب.. مازالت غير مستعدة للذهاب الى المدى الذي تطالبها به واشنطن في قبول المهانة والتسليم بشروط الاذعان! ومع ذلك فقد استوعب الوزير الأمريكي الموقف، ومنح الغطاء الرسمي لاسرائيل لكي تستكمل عملياتها خلال الأسبوع الذي قضاه في المنطقة، ثم خرج بعد ذلك بموقف أمريكي متكامل حول الموقف في المنطقة يرتكز على أسس ثابتة أهمها: ـ اطلاق يد اسرائيل لاستكمال الحملة النازية على الشعب الفلسطيني، واعطاء شارون الوقت الذي طلبه والدعم السياسي اللازم. واظهار حقيقة التصريحات الملتوية للرئيس بوش حول ضرورة الانسحاب الاسرائيلي والتي بدا لبعض الوقت انها تمثل تعارضا حقيقيا مع السياسة الاسرائيلية، فإذا بنا امام مسرحية لاستيعاب الرأي العام العالمي الغاضب، واعطاء شارون المهلة اللازمة لتنفيذ مخططاته، وتخفيف الضغط على الحكومات العربية (الصديقة) حتى انهاء العملية. ـ التأكيد على أن اسرائيل تخوض ـ مع امريكا ـ حملة ضد (الارهاب) العربي! ـ واظهارها بمظهر الضحية، وتقديم شارون ـ بكل نازيته وسفالته ـ باعتباره رجلا للسلام لديه مشروع يبدو أن باول هو صاحبه لعقد مؤتمر دولي للتغطية على المذابح الاسرائيلية، ولفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين، وانتزاع التطبيع والاعتراف من العرب دون مقابل! بدأ باول جولته وعرفات - وفقا للتصور الأمريكي ـ مسئول عن المصير الذي وصل اليه، والشعب الفلسطيني يستحق مايجري له لانه يمارس الارهاب ضد اسرائيل الوديعة المسالمة، ومع ذلك فستستعمل واشنطن معه الرأفة وتطالب اسرائيل بالانسحاب بعد أن فهم الفلسطينيون الدرس جيدا. وأنهى باول الجولة وعرفات المعتقل في غرفتين وصالة هو المسئول الأول عن الارهاب في المنطقة، والانسحاب غير ممكن قبل استكمال المهمة والقضاء على السلطة الفلسطينية وذبح واعتقال شباب المقاومة، وتهمة الارهاب أو رعايته لم تعد توجهها أمريكا لمنظمات المقاومة وسوريا ولبنان فقط، بل الى مصر والأردن والسعودية!! ومن الآن فإن على عرفات والقيادة الفلسطينية أن يدركوا انهم لا مكان لهم في التصور الأمريكي للمنطقة.. واذا كانت واشنطن قد ابقت على حياة عرفات حتى الآن فلانها ترى ان توقيعه على التنازلات المطلوبة سيكون أهم من توقيع جبريل الرجوب!! والمشكلة انه بدون التوقيع المطلوب لا قيمة له لدى واشنطن، وبعد التوقيع المطلوب لا قيمة له عند شعبه.. وعند واشنطن أيضا!! ومن الآن أصبحت الرسالة واضحة، والمطلوب ـ أمريكيا ـ من النظم العربية لا يحتمل التأويل ولا يقبل المراوغة! فالمطلوب من مصر والأردن والسعودية ان تكون باكستان بالنسبة لافغانستان. والمطلوب من هذه الانظمة - وكل الانظمة العربية وراءها ـ ان تعلن بوضوح وصراحة انها ضد المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وان تقر بأنها (ارهاب) ينبغي وقفه، وان تختار بين الوقوف مع أمريكا أو مع الارهاب الذي كان حتى الآن، مقاومة مشروعة ضد الاحتلال الاسرائيلي. وهكذا يعود كولن باول من جولته السياحة السياسية ظافرا وسعيدا، فيستحق التهنئة من الرئيس الأمريكي بوش على نجاحه، ويستحق كل التقدير من حزبه الجمهوري الذي ضمن له اصطفاف اللوبي الصهيوني معه في المعركة الانتخابية القادمة في نوفمبر المقبل لاختيار بعض حكام الولايات المتحدة وتجديد الكونجرس. وهكذا يعود كولن باول وقد أعطى لجنرالات اسرائيل ماطلبوا، ومنح شارون أكثر مما طلب، والمذابح الاسرائيلية للفلسطينيين مستمرة، والأجندة الأمريكية قد تم فرضها على الجميع، والأزمة قد تم تصديرها للنظام العربي العاجز والمطالب الآن بخلع ورقة التوت الاخيرة ليقف عاريا امام الشعب العربي اذا قبل الاملاءات الأمريكية ـ الاسرائيلية، أو يقف متهما أمام أمريكا اذا لم يقبل الدور المرسوم له، وبعد ان رفعت الدولة الاعظم شعار معي.. أو مع (الارهاب) ثم الحقت به مقولة فاسدة بأن المقاومة العربية للاحتلال النازي الاسرائيلي هي ارهاب. نجح باول في مهمته، وأوصل الرسائل المطلوبة للعرب، ومنح جنرالات اسرائيل كل الفرصة لاتمام المهمة التي تعهدوا باتمامها في أسبوعين ولم تنته بعد مرور شهر كامل، واعطى (المشروعية الأمريكية) بدلا من المشروعية الدولية والقانونية للجريمة التي تتم على أرض فلسطين، ووضع القضية ـ من وجهة نظر واشنطن ـ واضحة بلا أي ظلال أمام النظم العربية لتختار مصيرها. نجح باول في مهمته، ولكن المشكلة ان نجاحه هو الفشل الكامل للسياسة الأمريكية والخطر المؤكد الذي سيشعل المنطقة الا اذا تفهمت الادارة الأمريكية أن ماتطلبه من العرب هو المستحيل.. ففلسطين ليست افغانستان، ومنظمات المقاومة الفلسطينية والعربية ليست طالبان أو القاعدة وما يمارسه الشعب الفلسطيني هو حق مشروع، وماتطلبه من الأنظمة العربية هو المستحيل مهما كانت الضغوط، واذا قبلته الأنظمة فمصيرها معروف! نجح باول في مهمته، ولكن السياسة الأمريكية تجاه العرب أصبحت عارية كما لم تكن من قبل، والمواجهة العربية لهذه السياسة اصبحت حتمية بصورة تذكرنا بما كان في الخمسينيات من القرن الماضي حين حاولت أمريكا المحاولة نفسها، ولقيت المقاومة نفسها. ولسنا من البلاهة لندعو لقمة عربية لن تنعقد في ظل هذه الظروف. ولكننا نطرح على الجماهير العربية ـ وليس الأنظمة ـ ما نراه وسط الخيوط المتشابكة والمتقاطعة ـ ونطرح معه هذه التساؤلات: هل أصبح هناك مجال للتردد في اعمال المقاطعة العربية للسلع الأمريكية والضغط على المصالح الأمريكية في كل المجالات حتى تدرك أن مخططاتها ضد العرب لها ثمن، وان الثمن سيكون غاليا؟ هل آن الآوان لالغاء صفقات سلاح عربية مع أمريكا وصفقات طائرات مدنية بمليارات الدولارات لتعرف أمريكا ثمن جريمتها؟ هل ستستمر المناورات العسكرية المشتركة بين دول عربية وأمريكا بينما طائراتها تضرب مخيمات اللاجئين الفلسطينيين؟ وماهو وضع القواعد العسكرية الأمريكية في الاراضي العربية من المحيط الى الخليج؟ ثم.. اسئلة كثيرة تبدأ من جدوى العلاقات الدبلوماسية وغير الدبلوماسية مع العدو الاسرائيلي التي قيل انها تمنع بلاو كثيرة عن اشقائنا الفلسطينيين فلم تمنع شيئا، ولا تنتهي الا بموقف حاسم وجماعي تفهم منه الولايات المتحدة الأمريكية ان عدوانها على الشعب العربي الذي بدأ بفلسطين وسيمتد الى غيرها لن يضمن المصالح الأمريكية في المنطقة كما تروج الدوائر الصهيونية في واشنطن وانما سينسفها نسفا. ولعل الأخوة الذين رفعوا قبل قليل شعار (أفغنة العراق) مهللين مرحبين بالضربة الأمريكية المتوقعة للعراق، يدركون الآن صحة ما طرحناه من أن المطلوب هو أفغنة العرب.. كل العرب. ولعلهم يكفرون عن خطيئتهم بالانضمام لجهد عربي يمنع المخطط الأمريكي للمنطقة ويجبر الأنظمة العربية على التصدي له صفا واحدا. ولعل الذين بشرونا ب(سلام الشجعان) اياه برعاية أمريكية مباركة، أن يقولوا لشعوبهم الحقيقة.. فالمطلوب هو سلام تتحول فيه المدن العربية جميعها الى (نابلس) ويلاقي الشجعان تحت رايته مالاقاه اشقاؤنا في (جنين) على يد شارون الجزار النازي الذي أفتى الرئيس بوش بأنه رجل سلام وليذهب من يعترض الى (جنين).. أو فليحاول الصلاة في الأقصى الأسير أو كنيسة المهد المحاصرة، إن استطاع لذلك سبيلا!! ـ نائب رئيس تحرير « الاخبار » المصرية