في العام 1973 وتحديداً في السادس من شهر اكتوبر اندلعت الحرب الثالثة (والاخيرة) بين العرب و(اسرائيل) وكادت تنتهي بانتصار الجيوش العربية لولا: الجسر الجوي الذي مدته الولايات المتحدة لمد (اسرائيل)، بكل أنواع السلاح، وحملات التبرعات التي نظمت في الولايات المتحدة ودول اخرى كثيرة لدعم موقف (اسرائيل)، ودبلوماسية وزير خارجية الولايات المتحدة يومها (هنري كيسنجر) الذي جر العرب نحو تسويات مشينة قادت لضياع ثمار نصر اكتوبر وانفراد (اسرائيل) بالدول العربية واحدة تلو الاخرى. في العام 1973 استخدم العرب ـ كما يتذكر الجميع ـ ولأول مرة سلاح النفط حينما اطلقها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مدوية امام أسماع الدنيا: (البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي) يومها دخلت الولايات المتحدة ودول الغرب الصناعية في أزمة اقتصادية خانقة، وركب كبار مسئوليهم ووزرائهم الدراجات الهوائية لتوفير الوقود، واصطف الآلاف امام محطات البترول، ولعنت امريكا والغرب كل ما يمت للعرب ولبلادهم ونفطهم، ويومها قال اليهودي (هنري كيسنجر) سنعرف كيف نجعل العرب يشربون نفطهم كالماء! وكان يقصد كيف سيتحول هذا النفط الى سلعة لا أهمية لها ولايمكن للعرب استغلالها ضدهم! ومنذ ذلك الوقت شاع في الأدبيات والصحف والكتابات والافلام والذهنية الامريكية والغربية مفهوم العربي الانتهازي اللص، السارق، الارهابي عدو الحضارة والتقدم، ورديف الهمجية والتخلف، بينما لم يتأسس في الذهنية العربية (العامة بشكل أدق) مفاهيم سلبية عن الغرب والولايات المتحدة بالشكل الذي يؤدي الى تأسيس قوالب ومفاهيم سلبية سيئة، بل على العكس زاد انفتاح العرب (كشعوب وافراد) على الغرب وعلى امريكا سياحة ودراسة وتجارة و... الخ! ومنذ العام 1973 بشكل خاص، وفيما قبل هذا التاريخ وصورة الانسان العربي المتوارثة في الذهنية الغربية تنحصر في أطر وقوالب سلبية غاية في السوء فهو ليس سوى انتهازي، جبان، متخلف، محكوم بأنظمة ديكتاتورية فاسدة، شهواني، زير نساء، جاهل، وبشكل عام فقد كان العرب كأمة من وجهة نظر الامريكيين ـ ولوقت قصير ـ مجرد امة تعيش خارج دورة التاريخ والزمن، وكان هذا الامر معروفاً، ومع ذلك لم يعر العرب هذا الامر أية اهمية ولم تشتغل دوائر البحث والعلم والاعلام لتصحيح هذه المفاهيم، لان دوائر البحث والاعلام نفسها كانت في حالة غيبوبة، فترك الامر للاعلام الصهيوني ينحت في عقول الغرب والامريكان ما يزيد الصورة سوءاً. اليوم وصلنا الى حقيقة ان بيننا وبين الغرب منظومة قيم ليست متفاوتة فقط بل ومتصارعة حد عدم التقارب اطلاقاً. هذا ما وصلنا اليه اليوم بعد ان صنفتنا الولايات المتحدة وبصريح العبارة بأننا دول «ارهاب»، نأوي «الارهاب» ونشجع «الارهاب»، ومجرد همج اعداء للحضارة والانسانية والتقدم، فمجرد حملات جمع التبرعات لصالح الاخوة في فلسطين يعتبرها البيت الابيض اعلان حرب على الحضارة وموقف تأييد واضح لـ «الارهاب» بينما تصفيق اعضاء الكونجرس وضجيجهم منذ يومين بسبب الموافقة على اعتماد اكثر من 800 مليون دولار لدعم (اسرائيل لا يعتبر ارهاباً) وحملات جمع التبرعات ايام 1973 لا تعتبر ارهاباً، والجسر الجوي لامداد (اسرائيل) بكل اسلحة الفتك والدمار ليس ارهاباً!! آخر اخبار الارهاب الامريكي تقول بأن مواطناً اماراتياً ركب الباص في احدى مدن الولايات المتحدة منذ أيام، اشترى تذكرة وجلس على الكرسي مقلباً التذكرة بين يديه فإذا على ظهر التذكرة عبارة المناشدة التالية: (تذكر انه كلما قللنا من قيادة السيارات والمركبات كلما خفضنا نسبة استهلاك البترول المستورد الذي تذهب أرباحه لتمويل عمليات «الارهاب» في الشرق الاوسط)!! هكذا يفكرون، وهكذا يجب ان نفكر ايضاً، فلماذا لا تقوم الصحف ودور السينما والمحلات بطباعة نفس هذه العبارة على كل الفواتير والصفحات (تذكر ايها المواطن انك كلما اشتريت بضائع امريكية أكثر كلما ساهمت في تمويل عمليات القتل والمجازر ضد اخوتك في فلسطين).