الامهات اللاتي تنفجر مآقيهن بالدم والدمع ليل نهار في جنين المذبحة لا يرحمن الوقت ولا الوقت يرحمهن، والطفل الذي يمد يده الصغيرة إلى ركام الجثث المتعفنة وركام الاسمنت والطابوق والحديد ويمد يده الاخرى الى عربة الاغاثة ليلتقط رغيف خبز حاف، يفتش هناك عن بقايا جسد أبيه وروح ذكرياته ويفتش هنا في عيون أفراد منظمات الاغاثة عن اجابة السؤال الحائر.. لا الوقت معه ولا شيء يسعفه سوى الحزن الاسود.. بين ركام جنين وركام كل الاحياء الفلسطينية المجتاحة وبين ركام الكلام والاوراق والقرارات التي تنتظر الاقرار، أو تلك التي تنتظر الرفض، مسافات من الألم وسلحفاة اسمها الدبلوماسية الميتة والسياسة المضروبة على «قفاها». على الطاولات الرخامية والمصقولة الباردة تلهث الالسن وراء الكلام، وتلهث الدبلوماسيات والسياسات خلف ما يصلح وما هو غير صالح، خلف الخطوة المزمع اتخاذها، أو تلك التي تطلب دراسة متأنية، بينما في أزقة الاراضي المحتلة لا يرحم الوقت طفلاً ولد للتو أو عجوزاً شاخ على وطن مسروق ومنهوب ومذل دائماً. يزايد الكثير على ذلك الألم، ويلعب الكثير منهم على فوائده، وعوائده، لكن الحلق الذي تغص اللقمة فيه لا تنجده الاستراحات القصيرة بين ركام المجزرة والحزن على من زهقت ارواحهم. معادلة غير عادلة، وواقع مرير فقط لأن الذي يحدث هذا يحدث للعرب وللفلسطينيين بالذات. منطق قلب على عقب، وحسابات لا ترحم من تقتله اللحظات الصغيرة.. الصغيرة جداً.. فقط لان الذين يبحث في أمر نجدتهم هم عرب ومسلمون وانهم فلسطينيون.. فقط لانهم من هذا العرق.. كل اجناس الدنيا غالية وثمينة وفقدها فاجعة على أهل الدنيا، وكل عربي وكل مسلم يذهب هكذا لانه المنبوذ منها.. عصابة كبيرة مؤسسة على ارهاب المسلمين مدججة بالنوايا القذرة وبالأسلحة العنصرية الفتاكة.. هناك سيحتاجون وقتاً طويلاً كي يصحوا من النوم وكي يهندموا انفسهم وكي يستعدوا لخوض المعارك الاستعمارية، فالفريسة ستنتظر.. سواء كانت هائمة على وجهها في العراء، او انها تسكن كوخاً من ضلوع الريح والجوع والعطش والخوف.. الفريسة هناك، في مأمنها الخرب لا هي بالهاربة ولا هي بالقادرة على اتيان فعل.. هكذا يتمنطقون الكلام البطيء السهل، يطالبون، يدعون، يوصون، يدرسون، يرفعون التقارير المكتوبة ببرود شديد.. وتلك العجوز الباكية ستبكي حتى يحرقها الدمع الاحمر، وذلك الطفل الباحث عن والديه سيفقد وعيه ويهيم بين الركام.. عربات الاغاثة في الطريق، ها هم يحاولون المجيء، اولئك اصحاب البدل الزرقاء والسوداء وأصحاب الياقات البيضاء والصفراء.. يأتون بطيئاً بطيئاً. قدر الذين يحزنون ويقتلهم الحزن في فلسطين انهم ومنذ ذلك الزمان القديم وضعت دائرة كبيرة حمراء حول احقيتهم في الوجود.. هناك ومنذ ذلك التاريخ كانت المؤامرات تحاك على تلك الطاولات الرخامية.. وطن قومي لليهود في فلسطين، وفلسطينيو فلسطين الى الجحيم.. منذ تلك الصرخات اللعينة وهم يتآمرون ويجرمون ويبيدون من عليها ومن حولها.. ستأتي الجماعات، ويأتي المندوبون وستكتب التقارير وسيصفون المشهد بالكارثة والمجزرة ويتهمون صهيون باللااخلاقية واللاانسانية.. وينفض النفر من حول تلك العجوز الباكية وذلك الطفل الذي ما زال يغرز أصابعه الصغيرة في بيته المنهار بحثاً عن عيني ابيه، او جبين أمه او قلب اخته الرضيعة.. فعلوا ذلك كثيراً وفي مذابح سابقة.. وفي النهاية لم يبق الا وجه صهيون.. وجه صهيون كاملاً بملامحه الآدمية!!!