بدل أن نقيم جدلاً بيزنطياً حول جواز المقاطعة للبضائع الأمريكية ونستصدر الفتاوى الدينية قبل السياسية في هذا الاتجاه، فلنوفر جهودنا لفترات طويلة قادمة لتوفير البدائل العملية بكل بضاعة على حدة. لان المقاطعة التي يطالبنا بها البعض من المتحمسين تعني تماما ان نبعد كل الاجهزة التكنولوجية الى الاقلام والاوراق التي نكتب بها عن ديارنا وصولا الى الكثير من المنتجات الغذائية الضرورية التي نستوردها من أمريكا وأوروبا ودول أخرى لها علاقات حميمة مع اسرائيل. العرب قوة اقتصادهم اليوم في البترول بالدرجة الاولى وهو السلاح الذي استنفد غرضه في حرب 73م وبعد ذلك تغيرت مجريات السياسة وأسلحتها في كل اتجاه، فحلت الاتفاقيات والمعاهدات ومراعاة الكثير من البروتوكولات في علاقاتنا بين الدول حتى نتمكن من العيش مع العالم بجزء من أجزاء السلام المنشود. إن حرب المقاطعة لابد أن تتوفر لها شروط النجاح أولا قبل البدء في الصيام عن الأكلات السريعة وشراء الملابس الفاخرة من شركات عملاقة ضاربة جذورها في مصالح التجار المحليين والاقليميين والدوليين، فبأي منطق يمكن ان نقنع هؤلاء جميعا وكل المستثمرين المعروفين بهذه العملية الجراحية القاسية على البائع والمشتري. إننا ندعو مرة أخرى الى لجم العاطفة الجياشة قليلا للتخطيط لما هو أفضل وهنا يكمن ضعف العرب والمسلمين بلا منازع. فاسرائيل لم تقم في ليلة، بل بتخطيط منذ أكثر من مئة عام ولا نستطيع ازالتها من الوجود بعد الاعتراف الدولي بها إلا بعملية سياسية وبأثر رجعي تعيد الامور الى ما قبل الاحتلال عندما كانت فلسطين بكل جزئياتها المقدسة عروسة قلوب أهل الشرق والغرب. التخطيط السياسي والاقتصادي والاداري والاجتماعي والمالي هو الطريق الصحيح، فالمقاطعة عن طريق تفجير الفقاعات هنا وهناك لن تحقق لنا أهدافنا، لان الطوق حول أعناقنا خانق الى درجة أفقد البعض عملية التفكير وأبدلها بعملية تدمير غير مبرمج لمقدرات الامة العربية والاسلامية في دارها. يبدو ان دعوات المقاطعة سوف تأخذ من أوقات الخطباء والثوار الشيء الكثير دون ان تنتج نصرا مؤزرا ولا تحريرا كاملا للأراضي المحتلة، فالتخطيط الصهيوني السابق لقيام اسرائيل بحاجة الى تخطيط مضاد في الاتجاه وأقوى في المفعول والا سنراوح في أماكننا ونرتكب أخطاء ندفع من خلالها ثمنا باهظا لعدم الاتفاق المبدئي حول جدوى المقاطعة.