برغم كل ما قيل فيه وكتب عنه من مديح وهجاء الى اشادة وانتقاد، فإن حضور محمود درويش الى بيروت، ما كان له ان يتم على الصورة التي رأيناها لولا ألم فلسطين وأملها المدوي. فلسطين وحدها، حملت الشاعر على مغادرة حصاره في رام الله، ليؤكد للمدينة التي احتضنته طويلاً ان «طريق فلسطين يمر من فلسطين». كان درويش يقصد تماماً ما يقوله، وهو القادم الى المكان الذي أدماه الاسرائيليون مراراً، ولم يجدوا بداً من الخداع ليدخلوه، ثم لينكفئوا عنه خائبين. في مجيئه إليها مرة اخرى، اضاف الشاعر حباً جديداً لبيروت، فأظهر امتنانه العظيم للانتماء الأبدي الى فلسطين الذي أعلنته بناسها وأمكنتها وأشيائها وكلماتها الخالصة. بيروت التي احبها درويش كما لم يفعل سواه من قبل ظلت على عشقها للمكان وكلماته. فكان له ان كتب في عشقها اجمل القصائد. وحدها من بين العواصم التي ضمته وضمها، تجرأت على الطلب: أنشد لي شعرك الذي حببت.. غن لي من دون ان تغادر احزانك.. وهو بذلك أنشد وغنى وكان لدى الامر الجميل. ــــ حضور درويش في أيام بيروت الفلسطينية اثار «حفيظة» البعض باحدى صوره الشكلية، وامتدحه البعض الآخر على عمق محتواه وسمو معناه ومراميه. اخذ بعضهم على درويش انشاده الشعر وسط صخب العوام وضجيجه، قد يكون هذا الأخذ مصيباً، فالشاعر ظهر كما لو كان مغصوباً على القصيدة غصباً او منجذباً للقول الشعري على ايقاع المناسبة. وهو بهذا المعنى كان مدركاً سلفاً لمقتضيات الحفل ووطأة الحال. قال الشعر للجمهور: (أستطيع الآن ان اقول لكم «سجّل انا عربي») وهو الذي كان امتنع عن إلقائها منذ اكثر من ثلاثين عاماً، وتفاعل اكثر مع حماسة الحشود حين انشد «عابرون في كلام عابر»، بما تمثله من خطاب سياسي تحريضي وتعبوي، وهذه القصيدة كما نعلم شكلت مادة دسمة للاعلام الصهيوني استغلها في الهجوم على درويش واتهامه بمعاداة السامية. مع هذا فلصاحبنا عذره، ما دام المقام قضى بصيغة المقال، كان محمود درويش يعلم جيداً ان مهمته صعبة جداً، فالجميع يتوقع منه ان يقدم املاً، لذا رأيناه حاسماً خياره: «في ثنائية الألم والأمل على كل منا ان يساند الأمل ويبرزه». أمسية من عشرين ألفاً اعدت لفلسطين. كان هذا في المدينة الرياضية، المكان الذي لا يزال يقيم عند اطرافه مخيما صبرا وشاتيلا، «يوم فلسطين» اختار احتلال هذه المساحة التي شهدت همجية اسرائيل وجرائمها. وكان ذلك كافياً لقول ما لم يقل. ــــ ثمة من لاحظ من مثقفي الردهات الضيقة والفسيحة فأخذ على المشهد مآخذ.. كان يمكن للشاعر محمود درويش ان يزداد تألقاً ويكون اكثر وهجاً وأشد حرارة لو كان المكان مناسباً لقراءة الشعر. وقالوا كما اعتادوا القول: إن القصيدة لا تقرأ الا تحت انوار خافتة وآذان صاغية، الا انها طوقت بالموسيقى والغناء الحماسي. وقالوا ايضاً: ربما بدا الأمر اكثر صدقاً وتعبيراً لو أن الرايات من كل حزب ولون التي لوح بها حاملوها كانت اعلاماً فلسطينية ولبنانية فقط، فما النفع لو علت الرايات وغاب بين طيّاتها علم فلسطين؟! وزادوا: كان محمود درويش طويل البال رحب الصدر رابطاً على نفسه حيال جمهور هتف لقصائده هتافه لخطاب الزعيم السياسي، مما اضطره لمناشدتهم الهدوء والانصات ليتسنى له قراءة قصيدته الطويلة «حالة حصار». على كل هذا، ظل محمود درويش نجماً، مقنن الحضور حيناً وصاخبه في أحيان اخرى، فظهر على الشاشة في حوار «وافق» خلاله على اتصالات محددة من شعراء واصدقاء، فيما جرى تكريمه في حفل جمع النخبة المثقفة والسياسية في العاصمة بيروت، اقامته شركة «رياض الريس للكتب والنشر» بمناسبة صدور ديوانه الجديد «حالة حصار». جلس محمود درويش بين محبيه واصدقاء فلسطين ووقع للجميع، وكتب لهم محبته والأمل والأمنيات. كان طبيعياً ان يختفي محمود درويش ببيروت، ويحيي أهل لبنان شعب فلسطين كتجديد للعلاقة الكفاحية الأصيلة، اما الغائبون وصائغو البيانات وناقدو الأمكنة الرحبة والكلمات الجميلة فلسنا ندري اين يقيمون وإلام يجعلون من حبر الكلام أصباغاً ترشق بها الصفحات البيضاء.